خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 56

خطبة عيد الأضحى المبارك 2026

ذى الحجة 1447هـ الموافق مايو 2026م

الخطبة الأولى

اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ...

اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ...

اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ...

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ... اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

اللهُ أَكْبَرُ ما لبَّى الحجيجُ وكبَّروا، اللهُ أَكْبَرُ ما خشعت القلوبُ لله واستغفروا.

اللهُ أَكْبَرُ ما أحسن الإنسانُ إلى أخيه بقول كريم، فصار للكلمة أثرٌ فى القلوب عظيم.

اللهُ أَكْبَرُ ما تواصى الناسُ بالحسنى، اللهُ أَكْبَرُ ما تعاونوا على البر والتقوى.

الحمد لله الذى جعل الكلمة نورًا يهدى القلوب، وجعل العقيدة يقينًا يثبت عند الخطوب، وجعل الحق هاديًا للعقول إذا تاهت فى غياهب الدروب، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها السماوات والأرض، وبها نجاة أهل الإيمان يوم العرض، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أفصح من نطق بالحق، وأصدق من دعا إلى الخير والصدق، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد...

عباد الله...

إن الله تعالى عظَّم شأن الكلمة، وجعلها عنوان العقيدة، وترجمان السريرة، ودليل الهدى والبصيرة؛ فالكلمة تكشف مكنون الضمائر وتظهر معادن السرائر.

قال الإمام فخر الدين رضي الله عنه:

وَقَلْبُكَ - إِنْ تُضْمِرْ - عَلَى فِيكَ نَاضِحُ

وقال باب مدينة العلم سيدنا الإمام على كرم الله وجهه:

﴿ الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ﴾

فينضح اللسان بما كان مضمورًا فى القلب.

وفى الحديث الشريف عن خير البشر الحبيب المصطفى ﷺ:

﴿ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِى أَنْ يَكُونَ نُطْقِى ذِكْرًا، وَصَمْتِى فِكْرًا، وَنَظَرِى عِبْرَةً ﴾

فانظروا عباد الله واعتبروا.

فالكلمة فرقان: ما بين نبى وبغى، وشقى وسعيد، وعمار ودمار، ومغنم ومغرم، ولئن كانت الكلمة خفيفة على اللسان، سهلة النطق والبيان، لكنها قد تأتى بنتائج متناقضة؛ تجمع وتفرّق، تبنى وتهدم، تصلح وتفسد، ترفع وتخفض.

الكلمة نور ودليل تهتدى به الأمة، عجيبة هى الكلمة، فكم أفرحت، وكم أحزنت، وكم شفت، وكم آلمت، وكم رفعت وأكرمت من أناس، وكم وضعت وأذلت آخرين، وكم أشعلت من حروب ونزاعات، وكم أطفأت من فتن وصراعات.

إنها الكلمة: إما أن تخرج طيبة من فم طيب، فلا نهاية لجلالتها، لجمالها وروعتها ورفعتها وبركتها، وإما أن تخرج خبيثة من فم خاطئ، فلا نهاية لشؤمها وقبحها وخستها.

فإذا قوى الإيمان انقاد اللسان، فلا يقول إلا خيرًا وبرًا وإحسانًا، وإذا ضعف الإيمان انحرف اللسان، فلا يكف عن غيبة ونميمة، أو سخرية وشتيمة.

ووالله ما نال إنسان كرامة، ولا حظى بين الناس بجميل مكانة، إلا وكان للسان النصيب الأوفى فى ذلك، فطوبى لكل لسان طيب.

يا أهل الفضل والإحسان...

فى تسمية هذا العيد معنى من المعانى السامية، التى لا يتصف بها إنسان إلا وكان محمودًا عليه، ألا وهى التضحية.

فتضحية الوالدين فى تربية الأبناء، من الاهتمام والرعاية، كان جزاؤها من الحق أن وصى الأبناء بالإحسان لهما، فقال:

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾

بل وأمر الولد أيضًا بالدعاء لهما بالرحمة جزاء هذه التضحية، فى قوله جل وعلا:

﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا ﴾

وكانت هذه التضحية بمثابة الامتحان للعبد، من إيثار حق الغير على حقه، ويعظم الابتلاء بمقدار السمو فى معارج الكمال، فجاءت التضحية فى أسمى صورها، وهى إيثار الحق سبحانه على ما سواه.

فامتحن الخليل عليه السلام بأربع محن:

«تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، وترك أهله عند البيت بيد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار».

فوقع اللطف فى الجميع، واصطفى خليلًا للرحمن.

فالظاهر كان الابتلاء، والباطن كان الوفاء من أبو الأنبياء، فابتلى الوالد فى ابنه، ورضى الابن أن يكون موضع الامتحان، وهنا تحقق منهما معنى الطاعة التامة، وظهر العزم على الامتثال، فنادهما ربهما جل فى علاه نداءً رحيمًا:

﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ۝ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ۝ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ۝ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾

إن عيد الأضحى فى أجل معانيه، عيد عقيدة وطاعة وتسليم، عيد يعلم المؤمن أن التضحية ليست اتباعًا لهوى النفس، وإنما امتثال لأمر الله، وخضوع لحكمه، وصدق فى العبودية له سبحانه.

وفى قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام تتجلى هذه المعانى العظيمة؛ فما كان سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام أسير عاطفة ولا تابعًا لرغبة نفس، وإنما كان عبدًا صدق الله فصدقه الله، رأى الرؤيا فاستجاب، وأُمر فامتثل، فأخبر ابنه بالرؤيا، فكان جواب الإيمان وكلمة العقيدة:

﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾

كلمات قليلة فى حروفها، عظيمة فى معناها، حملت التسليم واليقين والطاعة، وربطت بين صدق الكلمة والعمل، ولذلك جعل الله هذا الموقف شعيرة خالدة تتذكرها الأمة فى كل عيد فداء.

أيها المؤمنون...

لقد خلد القرآن كلمات الأنبياء والصالحين؛ لأنها خرجت من قلوب عامرة بالإيمان.

فهذا سيدنا نوح عليه السلام يدعو قومه قرونًا طويلة لا يمل ولا ييأس:

﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

فكانت الكلمة دعوة وصبرًا وثباتًا.

وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أُلقى فى النار، وجاءه سيدنا جبريل عليه السلام يسأله: ألك حاجة؟

فقال: أما منك فلا.

ثم قال عليه السلام:

﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

فجعل الله يقينه بردًا وسلامًا ونجاة.

وهذا سيدنا يونس عليه السلام فى ظلمات البحر وبطن الحوت، لم يجد بابًا إلا باب الله، فقال:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

فجعلها الله مفتاح الفرج والنجاة.

وهذا سيدنا موسى عليه السلام، حين آمن السحرة قالوا أمام بطش فرعون:

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾

فرفعتهم كلمة الإيمان من جنود للباطل إلى شهداء للحق.

وفى السيرة النبوية الشريفة، عندما دخل النبى ﷺ مكة فاتحًا منتصرًا، وكان يستطيع الانتقام، لكنه اختار الكلمة التى تبنى ولا تهدم، فقال:

﴿ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ ﴾

فتحولت القلوب بتلك الكلمة من عداوة إلى محبة، ومن حرب إلى أخوة.

أيها الأحباب الكرام...

إن أعظم ما نتعلمه من عيد الأضحى أن الإيمان ليس كلمات باللسان تقال ثم تخالفها الأفعال، وإنما هو عقيدة تترجم طاعة وصبرًا وتضحية وتسليمًا لله رب العالمين.

فطهروا ألسنتكم من الكذب والغيبة والنميمة والخصام، واجعلوا كلماتكم مفاتيح للخير، فإن الكلمة الطيبة صدقة، وإن المؤمن يعرف بصدق قوله كما يعرف بصدق عمله.

أقول قولى هذا، وأستغفر الله العظيم لى ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

اللهُ أَكْبَرُ...

اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ...

اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ... اللهُ أَكْبَرُ...

اللهُ أَكْبَرُ ما تعانقت الأرواح على المحبة والصفا، واجتمعت القلوب على الألفة والإخاء.

اللهُ أَكْبَرُ ما لانت الكلمة فجمعت، اللهُ أَكْبَرُ ما حسنت المعاملة فأصلحت ونفعت.

الحمد لله الذى جعل الكلمة ميزان الإيمان، ودليل الإحسان، وسبب الألفة بين الإنسان والإنسان، أحمده سبحانه جعل بالكلمة هداية بعد ضلال، ونورًا بعد ظلام، ورحمة بعد خصام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد...

عباد الله...

إن من أجل نعم الله على العبد أن يرزقه لسانًا صادقًا، وقولًا سديدًا، وكلمة طيبة ترضى الرحمن، وتشرح الصدور، وتجمع القلوب بعد النفور، وتطفئ نار العداوة والشرور.

ولذلك كان القول السديد شريعة ربانية، وهداية نبوية، وقيمة إيمانية، به تستقيم الأقوال والأفعال، وتصلح الأحوال والأعمال.

وقد أمر الله عباده المؤمنين أمرًا بينًا جليلًا، فقال سبحانه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾

وما أكثر ما يتكلم الإنسان فى ليله ونهاره، فى رضاه وغضبه، فى سره وجهره، فمن كلمة ترفع صاحبها إلى الرضوان، وأخرى تهوى به إلى الخسران.

ولذلك جعل القرآن للكلمة ميزانًا، وللأقوال ألوانًا وأنواعًا؛ تهذيبًا للنفوس، وتقويمًا للسلوك، ليقوم المجتمع على الرحمة والألفة والمودة.

ومن أنواع القول التى أرشد إليها القرآن المؤمنين:

القول السديد

فى قوله تعالى:

﴿ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾

هو القول المستقيم الذى لا اعوجاج فيه، والصادق الذى لا كذب يعتريه، يرفع ولا يضع، ويصلح ولا يفسد، ويجمع ولا يفرق.

هو الكلمة التى تخرج من قلب عامر بالإيمان، فتقع فى القلوب نورًا واطمئنانًا، لا فحش فيها ولا عدوان، ولا زور فيها ولا بهتان.

والقول السديد ميزان العقل والإيمان، وعنوان الخلق والإحسان، به تصان الحقوق، وتصفو القلوب، وتستقيم العلاقات بين الأنام.

ومنها القول اللين

قال تعالى لسيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام، وهما ذاهبان إلى أعتى أهل الأرض وأشدهم طغيانًا:

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

سبحان الله! فرعون الذى طغى وتكبر، وأفسد وتجبر، وقال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

ومع ذلك يأمر الله نبييه بالرفق فى خطابه، ليعلّم الأمة أن القلوب تفتح باللين، وأن النفوس تقاد بالحكمة لا بالتعيير والتوهين.

فالقول اللين ليس ضعفًا ولا مهانة، بل هو قوة الحكيم، وزينة الكريم، به تطفأ نار الخصام، وتزول وحشة القلوب والآلام.

﴿ فَمَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا شَانَهُ ﴾

والقول الكريم

من أفضلها مع الوالدين، لقوله تعالى:

﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾

فلا زجر ولا تضجر، ولا تأفف ولا تنكر، بل أدب ورحمة وخفض جناح ومحبة.

فكم من كلمة طيبة أحيت قلب أم وأرضت أبًا، وكم من لفظة قاسية أورثت عقوقًا وجفاء.

والقول الميسور

مع المحتاج والفقير، قال تعالى:

﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾

قول تجبر به الخواطر، وتستمال به القلوب والضمائر، فإذا ضاق المال فلا يضيقن المقال، وإذا عجزت عن العطاء فلا تعجز عن حسن اللقاء.

فإن الكلمة الطيبة صدقة، والعبارة اللطيفة رحمة، ورب قول يسير أزال همًّا كبيرًا.

ومنها القول البليغ

قال تعالى:

﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾

وهو القول الذى يبلغ القلوب قبل الأسماع، فيه حكمة وإقناع، وتذكير وإمتاع، يوقظ الغافل، ويرد العاصى، ويهدى الحائر إلى طريق الحق والصواب.

ومنها القول العدل

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ﴾

فلا يحملنكم حب على ظلم، ولا بغض على جور.

اعدلوا فى الرضا والغضب، وفى القرب والنسب، فالعدل فى الأقوال من شيم الأبرار، والظلم فى الكلام من صفات الفجار.

والقول المعروف

فى قوله تعالى:

﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

وهو القول الذى تألفه النفوس، وتطمئن إليه القلوب، قول يزرع المحبة، ويطفئ العداوة، وهو عنوان الأدب وكمال الخلق.

ومنه: لين العبارة، وطلاقة الوجه، وجبر الخاطر، وحسن التحية والكلام، فالمؤمن طيب اللسان، حسن البيان، إذا تكلم أحسن، وإذا خاصم أنصف، وإذا نصح تلطف.

ومنها القول الحسن

فى الدعوة إلى الله جل وعلا:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾