خطبة عيد الفطر المبارك 2026
1447هـ – 2026م
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذى جمع القلوب بنور محبته بعد تفرقها، وألف بين النفوس بسر مودته بعد تشتتها، وجعل الصفح بين عباده الصالحين نسيمًا يحيى الأرواح بعد جدبها، أحمده سبحانه على نعم تتوالى، وآلاء تتابع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الألفة نعمة، وجعل الشقاق نقمة، ودعا عباده إلى (إصلاح ذات بينهم) فقال جل شأنه:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، كان يجبر القلوب إذا انكسرت، ويصلح بين النفوس إذا اختلفت، ويجمع الكلمة إذا تفرقت، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد
أما بعد..
أيها المسلمون...
إن يومكم هذا يوم عظيم وعيد كريم، يوم فرح وسرور وأنس وحبور، فلنفرح اليوم بفطرنا فرح الشاكرين، ولنبتهج بإتمام صيامنا ابتهاج الموفقين، غير أن البشرى والفرح الأكبر يكون يوم يلقى الصائمون ربهم فيجدون ما وعدهم الله من الفضل والجزاء العظيم.
فعن سيدنا سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
﴿ إِنَّ فِى الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ﴾.
فهنيئًا لكم حين يقول الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين المتقين فى الجنة:
﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾.
تخيل ذلك النداء العظيم، حين يدعى الصائمون إلى باب خُصص لهم، جزاء ما صبروا عن الشهوات، وكفوا الجوارح عن اللذات واحتملوا ظمأ النهار ابتغاء مرضاة رب الأرض والسماوات، فطوبى لمن كانت أيام صيامه زادًا ليوم لقائه، وكانت لحظات صبره طريقًا إلى أبواب رضوانه.
أيها المؤمنون...
يا من ترجون لقاء ربكم وفى رضاه تطمعون، احفظوا أصل الطريق، واثبتوا على أساس الدين، فمفتاح النجاة توحيد خالص، وعمل صادق، وقلب متوجه إلى مولاه على البلاء صابر.
حافظوا على الفرائض والواجبات، فإنها أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه، وتزودوا من النوافل والقربات، فإنها زينة الفرائض، وجمال الطاعات، وقد بيّن النبى ﷺ هذا المقام العظيم فى الحديث القدسى، حيث قال تعالى على لسان حضرة الحبيب ﷺ:
﴿ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِى لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لَأُعِيذَنَّهُ ﴾.
فهذا مقام المحبة، وهو غاية الطريق: أن يصير العبد محفوظًا بعناية الله، مؤيدًا بنوره، يسير بالله، ويعمل بالله، ويرى بنور الله.
فالصلاة الصلاة -رحمكم الله- فهى عماد الدين، ومفتاح القرب، وروح الطاعة، حافظوا عليها فى أوقاتها، وأقيموها بقلوب خاشعة، وجوارح ساكنة، كما كنتم فى أيام رمضان، ولا تجعلوا الطاعة موسمًا ينقضى، بل عهدًا يتجدد، وطريقًا يستمر، فمن حافظ على صلاته، حفظه الله، ومن داوم على قربه، أدناه الله، ومن صدق فى عبوديته، أورثه الله نورًا فى قلبه، وسكينة فى روحه، وبركة فى عمره، فاستقيموا على الطريق، واثبتوا على الطاعة، حتى تلقوا ربكم وهو عنكم راض.
الله أكبر الله أكبر...
الله أكبر؛ جعل رمضان موسمًا للخيرات، وميدانًا للطاعات، واكتسابًا للحسنات، فمن العباد من أحسن فيه القيام، ولزم القرآن، وبذل الإحسان، واليوم يوم الجوائز، حين يوفى العاملون أجرهم، فيغفر ذنبهم، ويقبل عملهم، ويشكر سعيهم، جعلنا الله تعالى وكافة المسلمين منهم.
الله أكبر؛ يمهل العاصين ويقبل توب التائبين، ويفرح بهم أشد من فرح من ضلت دابته فى صحراء ثم وجدها بعد اليأس والإبلاس، فيا أيها المسرفون على أنفسهم توبوا إلى ربكم ولا تقنطوا من رحمته:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾.
الله أكبر؛ جعل عبادته فى كل حال ومكان وزمان، ولم يقصرها على رمضان، وشرع نوافل الصلاة والصدقة والصيام والإحسان، فى كل الليالى والأيام؛ فضلًا منه تعالى على عباده، ليتقرب إليه المتقربون بما يستطيعون.
وقد قال نبينا ﷺ:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُوومَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ ﴾.
هناك حكمة لطيفة فى هذا الحديث النبوى؛ كأن النبى ﷺ يريد أن يحرر الإنسان من وهم شائع: أن القيمة فى كثرة العمل لا فى صدقه واستمراره، والحقيقة أن القليل الدائم حياة، والكثير المنقطع ذكرى، ولهذا أحب الله العمل الذى يبقى، لأن مداومة الأوراد علامة المحبة، وتوالى الطاعات دليل الصدق، فمن أحب بابًا لزمه، ومن عرف طريقًا ثبت عليه، ومن ذاق حلاوة القرب لم يرض بالانقطاع بعد الوصال.
الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد
التائب من الذنب كمن لا ذنب له.. وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حق حمده والشكر له على آلائه ونعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ رب رحيم عفو كريم، يغفر الذنوب، ويستر العيوب، يجيب الدعوات، ويضاعف الحسنات، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله؛ النبى الأمين، والناصح المبين، رحمة الله للعالمين، وحجة الله على الخلق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر لا إله إلا الله.. الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد
أيها الأحباب...
لقد ربط الله المؤمنين برباط لا يقوم على نسب ولا مال، بل يقوم على الإيمان، فقال سبحانه:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾.
فهى أخوة عقدها الله فى السماء، تنشئها العقيدة وتغذيها الرحمة وتحفظها التقوى، وجعلها ميثاقًا بين القلوب فى الأرض، وأمر بحمايتها من التصدع والفرقة، وجعل إصلاح ذات البين سياجًا يحفظها، فالدين ليس صلاة وصيامًا فحسب، بل هو كذلك صفاء قلوب ووحدة صفوف وسلامة صدور.
إن إصلاح ذات البين خلق نبوى نبيل، وحكمة تحسن جمع القلوب بعد تباعدها، فكم من فرقة نشأت من كلمات عابرة، وظنون عارضة، أو مواقف يسيرة، فيغيب الصفح ويتسع الخلاف، ثم يكبر فى الصدور، حتى يصير حاجزًا بين الأحباب، وكم من قطيعة أطفأها قول لطيف، أو ابتسامة صادقة، أو يد امتدت بالصلح والسلام.
ومن أجل ذلك جعل النبى ﷺ إصلاح ذات البين من أعظم الأعمال، بل قدمه على كثير من العبادات، فعن سيدنا أبى الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
﴿ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِىَ الْحَالِقَةُ ﴾.
أى: التى تحلق الدين، وتذهب ببركته، وتطفئ نور المحبة بين المؤمنين.
المؤمن لا يسره اشتعال الخصومات ولا يفرح بتوسع الفجوات، بل يسعى إلى إطفاء الفتنة قبل أن تتقد، وإلى جمع الصفوف قبل أن تتصدع، فإذا رأى بين أخوين جفوة بادر إلى الإصلاح، يذكّر هذا بفضل العفو، ويذكّر ذاك بحرمة القطيعة، حتى تعود القلوب إلى صفائها، وتلتقى الأرواح بعد طول الجفاء.
فالصفح ماء يطفئ نار العداوة، والعفو نسيم يرد القلوب إلى نقائها، والكلمة الطيبة بلسم يداوى الجراح الخفية، فيا أهل المودة، إذا أقبلت أيام الفرح والأعياد، فاجعلوها مواسم للصفح ومواقيت للصلح، وأبوابًا للعفو.
طهروا قلوبكم من الضغائن، ونقوا صدوركم من الأحقاد، ابدؤوا بالعفو قبل العتاب، ومدوا جسور الصفح قبل أن تمتد أسباب الجفاء، واجعلوا التسامح طريقًا تسلكه الأرواح إلى اللقاء، مستحضرين قول الله تعالى:
﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾.
فمن عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن أصلح بين القلوب أصلح الله له شأنه، ومن تواضع لله رفعه.
وقد قال رسول الله ﷺ:
﴿ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ ﴾.
فطوبى لمن جعل قلبه سليمًا، ولسانه طيبًا، ويده ممدودة بالصلح والإحسان، وهنيئًا لمن جمع القلوب بعد فرقتها، وأطفأ نار الخصومة بالمحبة والرحمة.
ومما يقرب القلوب ويزيل ما علق بها من شحناء إظهار المحبة، فإن القلوب مجبولة على حب من يظهر لها المودة، ولهذا أرشد النبى ﷺ إلى هذا الخلق الجميل، فقال:
﴿ تَهَادَوْا تَحَابُّوا ﴾.
فالهدية رسالة حب وصفاء، قيمتها فى معناها، فقد تكون شيئًا يسيرًا، لكنها تحمل فى طياتها دفء القرب، ولطف الود، وإشارة الصلح.
وليست الهدايا كلها حسية، فبعضها أعظم أثرًا وأبقى ذكرًا، فمن أجمل الهدايا دعوة صادقة ترفع فى الغيب، وقلب يذكرك بخير وأنت لا تعلم.
وقد قال النبى ﷺ:
﴿ دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ ﴾.
تأمل هذا المعنى: قلب يذكرك فى غيابك، ولسانًا يدعو لك فى خلوته، وروح تتمنى لك الخير كما تتمناه لنفسها.
وإن كانت الأعياد مواسمًا لمظاهر البهجة وإدخال السرور لمن فى هذه الدار، فلتجعل لمن لحقوا بالرفيق الأعلى نصيبًا أيضًا بالدعوات لهم.
فقد قال بعض السلف:
الدعاء للأموات بمنزلة هدايا الأحياء، فيدخل الملك على الميت ومعه طبق من نور عليه منديل من نور، فيقول: هذه هدية لك من عند أخيك فلان، من عند قريبك فلان.
قال: فيفرح بذلك كما يفرح الحى بالهدية.
تلك محبة صافية، لا تشوبها مصلحة ولا يكدرها رياء، والمجتمع الذى تنتشر فيه هذه المعانى -إصلاح ذات البين وإظهار المحبة وتبادل الهدايا- يصبح مجتمعًا متماسكًا، تتآلف به القلوب أحيانًا حتى قبل أن تلتقى الأجساد.
فلنجعل الإصلاح خلقًا دائمًا، والمحبة لغة ظاهرة، والدعاء هدية لا تنقطع، حتى تبقى الأخوة الإيمانية كما أرادها الله: تجمع ولا تفرق، وتصل ولا تقطع، وتبنى ولا تهدم، وتجبر القلوب كما تجمع الصفوف.
نسأل الله أن يجمع القلوب بعد فرقتها، ويؤلف الأرواح بعد شتاتها، ويطهر الصدور من غلها، ويجعلنا من أهل الصفح والإصلاح، ومن الداعين إلى المحبة والوئام.
فاللهم اجعلنا من المحبين المحبوبين أصحاب الصفح والصفا..
اللهم آت نفوسنا هداها..
وألهمها رشدها وتقواها..
وزكها وأنت خير من زكاها..
أنت وليها ومولاها..
اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه حبيبك سيدنا محمد ﷺ.
ورضي الله تبارك وتعالى عن سادتنا ذوى القدر الجليل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين، وعن التابعين وتابعى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكل العام وأنتم بكل خير..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مولانا الامام الشیخ محمد الشیخ ابراھیم الشیخ محمد عثمان عبدہ البرھانی ۔رضی اللہ عنہ۔