خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 52

خطبۃ عید الفطر 2025

خطبة عيد الفطر المبارك

الأحد غرة شوال 1446هـ الموافق 2025/3/30م

الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر

الحمد لله الذى كتب على عباده الصيام، وأجزل فيه العطاء والإنعام، وجعله سببًا لتحقيق التقوى والتخلص من الآثام، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أكرم عباده بمواسم الطاعات، وتفضل عليهم بفيض البركات، فالحمد لله الذى وفقنا لصيام نهاره وقيام لياليه.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيِّه من خلقه وحبيبه، خير من صلى و زكى وحج وصام، صام رمضان فأحسن الصيام، وقامه حق القيام.

فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صاحب الخلق العظيم والقدر المهيب، صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب وتقضى بها الحوائج وتنال بها الرغائب وحسن الخواتيم يوم لقاء رب العالمين.

أما بعد.. فيا أيها الأحباب..

يقول الحق سبحانه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

ربطت الآية الكريمة فى أولها بين الإيمان والصيام، فقد فرض الله الإيمان تطهيرًا من الشرك، وذلك لأن الشرك نجاسة حكمية لا عينية، وأى شىء يكون أنجس من الجهل أو أقبح! فالإيمان هو تطهير القلب من نجاسة ذلك الجهل، وفرض الله الصيام ابتلاءً لإخلاص الخلق، وذلك لأن الصوم أمر لا يطلع عليه أحد، فلا يقوم به على وجهه إلا المخلصون.

ومن هنا يتضح لنا العلاقة أو الرابطة الوثيقة بين الإيمان والصيام، فالإيمان عمل قلبى لا يطلع عليه أحد إلا المولى سبحانه، كما وأن الصوم أمر بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد إلا المولى سبحانه.

فكانت الإشارة فى الحديث القدسى:

﴿ الصَّوْمُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِى ﴾.

وتحدثت الآية الكريمة عن معانٍ ثلاث فى غاية الجمال، فتعالوا بنا نرتشف من روض عالى المقام، لنكشف نقاب الكلام عن الفرق بين الصوم والصيام والتقوى والإيمان.

فقد بدأت الآية الكريمة بالنداء للذين آمنوا، فالإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولنا فى حادثة تحويل القبلة وصفات المؤمنين قصة عظيمة.

قال تعالى:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.

اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة فى الأخلاق وقواعد عميمة فى العبادة، وعقيدة مستقيمة، فهى بذلك جمعت بين أصول العقيدة ومجامع الخير، كما ذكرت أركان الإيمان الخمسة، وهى:

﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾.

ثم أوضحت الآية الأعمال التى تفعل للغير، وهى:

﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ ﴾.

ثم ذكرت أعمالًا للنفس، وهى:

﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾.

والبأساء: شدة الفقر، والضراء: المرض، وحين البأس: وقت شدة القتال، فالإنسان كلما ترقى فى الإيمان ترقى فى القيم والأخلاق التى تحكم أقواله وأعماله.

ومن صفات المؤمنين كما قال ﷺ:

﴿ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ، وَلَا الطَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِىءِ ﴾.

«فالمؤمن يطلب معاذير إخوانه، والمنافق يطلب عثرات إخوانه».

ومن هنا تجد المؤمن الحق هو الذى يستر أخاه، كما أوصانا ﷺ فقال:

﴿ مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ سَتَرَهُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾.

يا أهل الصوم والصيام..

من أهل اللغة من قال: إن الصيام والصوم بمعنى واحد، وهو الإمساك عن أى فعل أو قول لغو، ومنذ أيام استقبلنا شهر الصيام، وبالأمس ودعناه مرتحلًا عنا، ونجد كتاب الله الكريم أتى بمعنى بديع للفظ الصوم، وذلك فى قوله تعالى:

﴿ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾.

وهو الصمت عن الكلام، وإن شئت قلت: صوم القلب عما يغضب الرب.

أما الصيام فقد قال سبحانه:

﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾.

أى صيام الأمم السابقة، عن الطعام والشراب والنكاح، فوجب على كل مؤمن أن يصون لسانه بالصوم عن كل ما يغضب المولى سبحانه، حتى يصل المؤمن بصيام الجوارح وصوم القلب لمرحلة التقوى، كما قال سبحانه:

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.

وبما أنهم آمنوا بالله سبحانه فقد أحبوا الله تعالى ورسوله الأكرم ﷺ، وارتضوا بتكاليف الحضرة الإلهية؛ لأن جلب المحبة يوجب عليك اتباع الحبيب ﷺ.

ومن ظواهر المحبة أن كل ما يأتى من المحبوب محبوب، بمعنى آخر: كل ما يحدث لك ما هو إلا الخير، كما قال ﷺ:

﴿ عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ ﴾.

والمتأمل للسيرة النبوية يجد أنه ﷺ قضى ثلاثة عشر عامًا بمكة المكرمة يدعو الناس لمعرفة ومحبة وتوحيد الله، فتلك الفترة كانت لوضع أساس الدين، وهى المحبة والمعرفة.

ولم يكن فى ذلك الوقت عبادة تقام سوى الصلاة، التى فرضت قبل الهجرة بنحو ستة عشر شهرًا تقريبًا.

ومن أكثر الأعمال التى تقوى روابط المحبة بين العبد وبين الرب، بل يجلبها للعبد، هو «ذكر الله سبحانه».

ودليلنا آيات سورة المزمل، عندما أمر الحبيب حبيبه ﷺ بذكره، فقال:

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴾.

وبالتبعية هو أمر للأمة، وآيات سورة المزمل تنزلت فى بداية عهد الرسالة، أى لم يكن هناك شىء من العبادات.

وقد جبل الإنسان أن يكثر من الشىء الذى يحبه، فإذا تجلت المحبة بين العبد وبين الرب، يقول:

﴿ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِى لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لَأُعِيذَنَّهُ ﴾.

وقال ﷺ:

﴿ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ﴾.

توبوا إلى الله.

الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر

الحمد لله الذى أعاننا على صيام الشهر الكريم، ووهبنا من سنة نبيه العفو عن كل لئيم، وبشرنا أن التسامح يجنبنا لهيب الجحيم.

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، من الجن والإنس والملائكة وسائر الخلائق أجمعين، ورضى الله تبارك وتعالى عن أهل بيته الأكرمين، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد..

عباد الله..

أوصيكم ونفسى بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله، اتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، يوم يبعث من فى القبور، ويحصل ما فى الصدور، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، يوم يعض الظالم على يديه أسفًا على ما اقترفه وجناه.

فاتقوا الله وبادروا إلى ما يحب ربكم ويرضاه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.

نعود بكم لنهاية الآية:

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.

فعندما سئل الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه عن التقوى، قال:

هى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

وقال عنها الإمام الحسن البصرى رضي الله عنه:

ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.

وقالوا أيضًا:

من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه.

فالتقوى لها مراتب على ما جاء من مراتب الدين من إسلام وإيمان وإحسان، والتى أشارت إليها الآية الكريمة:

﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

ففى مرتبة الإسلام، والمشار إليها بالأعمال البدنية، كانت التقوى فعل المأمورات واجتناب المنهيات معًا.

وفى مرتبة الإيمان، والمشار إليها بالأعمال القلبية، كانت التقوى تعظيم شعائر الله، قال جل وعلا:

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾.

وفى مرتبة الإحسان، والمشار إليها بالأعمال الروحية، كانت التقوى الخوف من الله، كما قال ﷺ:

﴿ أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاللهِ وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ ﴾.

فاشتركت التقوى مع الصيام فى مرتبة الإيمان، ولذلك قال المحبوب ﷺ:

﴿ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ ﴾.

وفى رواية:

﴿ كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ ﴾.

فأعمال القلوب يحصيها رب القلوب، لا تحصيها الملائكة الكاتبين.

وللتقوى ظاهر وباطن؛ فظاهرها: محافظة الحدود، وباطنها: النية والإخلاص.

وكان أهل التقوى هم الملاذ فى الدنيا للآيبين إلى طريق الحق سبحانه، ولذلك قالوا:

وَلَا عَيْشَ إِلَّا مَعْ رِجَالٍ قُلُوبُهُمْ تَحِنُّ إِلَى التَّقْوَى وَتَرْتَاحُ لِلذِّكْرِ

سُكُونٌ إِلَى رُوحِ الْيَقِينِ وَطِيبِهِ كَمَا سَكَنَ الطِّفْلُ الرَّضِيعُ إِلَى الْحَجْرِ

أيها الأحباب..

تصافحوا وصافحوا من قلوبكم، يذهب الله همكم، كونوا عباد الله إخوانًا.

فقد أوصانا سيدنا أنس رضي الله عنه على لسان الحبيب المحبوب ﷺ، فقال:

﴿ لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾.

واعلموا أن بالصفح الجميل اشتهر الصالحين.

عباد الله، أوصيكم ونفسى بتقوى الله جل وعلا ومراقبته فى السر والعلن؛ فمن اتقى الله وقاه، وأرشده لخير أمر دينه ودنياه.

واعلموا أنه لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء، الغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، أحصى كل شىء عددًا وأحاط بكل شىء علمًا، فراقبوه فى أعمالكم مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه.

واعلموا رحمكم الله أنكم فى دار عمل، وستنتقلون منها إلى دار جزاء وحساب.

فالكيس، عباد الله، من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع هواه وتمنى على الله الأمانى.

فإذا كان صيام الشهر الكريم سببًا أن خالفنا الشهوات واتبعنا الصلوات، فليكن صومنا مستمرًا بحبس أعيننا عن المحرمات، وألسنتنا عن الأعراض، وقلوبنا عن الخطرات، وصوم دواخلنا من الغفلات.

فاللهم بحق الأنبياء والمرسلين وأهل البيت والصحابة والتابعين، فرج عنا ما نحن فيه..

وتجلَّ على أرواحنا بمشاهدتك، واستخدم كل ذرة من ذرات أجسامنا فى القيام بواجب الشكر وحسن العبودة يا كريم..

وأدم علينا نعمة المحبة والتسامح.

اللهم إنا نسألك عفوًا يكفينا، وعافية تغنينا، ونظرة لوجهك الكريم ترضينا.

وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم

وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وإلى طاعته أسرع

جعلنا الله من أهل القرآن وأهل التقوى والإيمان

وكل عام وأنتم بخير

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مولانا الامام الشیخ محمد الشیخ ابراھیم الشیخ محمد عثمان عبدہ البرھانی ۔رضی اللہ عنہ۔