خطبة عيد الأضحى المبارك 2025
﷽
خطبة عيد الأضحى المبارك
الجمعة العاشر من ذي الحجة 1446 ھ
الموافق 2025/6/6م
الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر..
الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
الحمد لله الواحد الأحد الذي انفرد في ملكوته بعزته القاهرة وجبروته المكتمل في تنزيهه عن الشبيه والضد، والصلاة والسلام على نبيه الكريم سيدنا محمد صلاة متجددة بديموميته، فاللهم صل على الذات المحمدية اللطيفة الأحدية شمس سماء الأسرار ومظهر الأنوار ومركز مدار الجلال وقطب فلك الجمال صلاة تليق بمن منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
أيها الأحبة!
يقول المولى العظيم ﴿ وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ ففي الحج أحباب الحبيب المصطفى ﷺ من المعاني العظام والإشارات الجسام التي ما إن تفكرنا فيها ووعيناها وعملنا بها في هذه الأيام كانت سبيلًا للنجاة ونبراسًا في دياجير الظلام، ظلام الشتات وظلام الجهالات وظلام السوء من الصفات، وظلام اتباع خطوات أهل الرعونات.
فبداية باسمه (الحج) وقيل في معانيه الكثير من أهل اللغة، ومدارها أنه (قصد إلى معظم) وأي شيء أعظم من أن نقصد البيت الحرام بأبداننا ونقصد الحق سبحانه بقلوبنا، فالقصد بالبدن والقلب لاہٍ أمر مشوب بالنقصان، ولنتذكر حديث إمام الحرمين ورسول الخافقين الحبيب المصطفى ﷺ ﴿ وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ﴾ ولعلنا نجد من يتساءل بأن الحديث يذكر العقل وليس القلب، فنرى الآية الكريمة من سورة (الحج) تقول ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِما أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ ﴾ فكان المعول عليه بالعقل هو القلب، وكيف لا وهو المضغة التي في الجسد إذا صلحت صلح سائر الجسد، فكان كمال العمل البدني هنا ما وافق القلب معه، فكان القصد بدنًا وقلبًا، فالقصد له لا إلى غيره، وكما قال العارفون المحققون:
لذاك مريدي كن إلى الله قاصدًا
نصحتك فانهل شاكرًا بنصيحتي
ونجد من إشارات هذا القصد الواضحة الجلية (التوحيد) وجمع الهمة خلف أمر واحد والبعد عن الشتات فيأتي الناس من شتى البقاع متجهين إلى مكان واحد يؤدون مناسكهم لتذكرهم بأمر غاب عن قلوب الكثير، ألا وهو (وحدة القصد) كما قال الإمام فخر الدين ؓ:
وذلك البيت في معناه تذكرةٌ
لوحدة القصد أو توحيد أنظار
فظلام الشتات والتفرق ينظر إليه الإنسان بعينه فيرى شتات من حوله فيحاول أن يجمعه وينسى شتات نفسه الأولى له يجمعه، وقول الحق سبحانه ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ولننظر إلى قوله تعالى هنا ﴿ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ فلم يقل سبحانه ﴿ معه شركاء ﴾ أو ﴿ له شركاء ﴾ بل قال جل وعلا ﴿ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ فمن منا بحث بداخله أو سأل نفسه عن هؤلاء الشركاء الذين بداخله، وكيف السبيل إلى الخلاص منهم، ولكن من العارفين المحققين والهداة الكاملين من أرشدنا إلى معرفة هؤلاء الشركاء والسبيل إلى الخلاص منهم:
والقاطعات عن المهيمن أربع
بئس البضاعة عيرهن نفير
فكان الشركاء هم (الدنيا والشيطان والنفس والهوى) ونجد من الإشارات في (الحج) وما يفعله بهؤلاء الشركاء الكثير، فأول الحج السفر والارتحال من دار إلى دار والإشارة فيه كما قالوا:
سافر يكلمك الجمال السافر
نحو الأحبة فالوجود مسافر
وكما أن السفر سفران إما كرهًا كما قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ أو طوعًا لقوله جل وعلا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فسفر وارتحال من دار دنياه الفانية إلى دار البقاء الخالدة، فيخلع فيها ما عليه من حب الدنيا وزخارفها إلى حب الحق ولقائه فكانت هذه إشارة (الإحرام) وكان السفر وما فيه من مشاق جهادًا للنفس وردها عن حظوظها الدنيوية الدنية إلى الحظ الأوفر من جانب الحق سبحانه، وأي سفر أجل وأعظم من سفر كان آخره لقاء الحبيب المصطفى ﷺ:
هو الدار والديار والخمر والقرى
يراح لديه من عناه المسافر
ومن الإشارات أيضًا أحباب الحبيب المصطفى ﷺ في الحج التي تذكرنا بقاطع من القواطع التي ذكرناها وهو الشيطان (رمي الجمار) فكلنا يعلم أن الإشارة فيه إلى مخالفة الشيطان وطرده من حظيرة البدن ليعمرها ذكر الله تعالى وفي قصته المشهورة لدى القاصي والداني من علوم الدين الاعتبار وأخذ الحذر بما يفعله بالإنسان وما يجب على الإنسان من مخالفته وطرد وساوسه الخبيثة، واتباع أمر الحق والتوجه إليه وفي هذه القصة الشهيرة (لطيفة) خفيت عن الكثير أو لم يعيروها الانتباه لانشغالهم بالحدث الأكبر وهو رؤيا خليل الله ؑ من ذبحه لابنه سيدنا إسماعيل ؑ، فانشغل الكثير في قصة الرؤيا ونسي قصة الاتباع من هؤلاء الأكابر الذي ارتقى إلى حد يصعب على البعض تصوره واستيعابه، ونجد في السيدة العظيمة سيدتنا السيدة هاجرة أروع مثالًا في هذا الاتباع، فكم يصعب على الأم تصور وليس تنفيذ مثل هذا المشهد، فمن منا سأل نفسه كيف قامت بالامتثال والطاعة وما كان من إبليس وهو يحاول أن يرقق قلبها على ما فيه من الرقة فطرة على ولدها بل وكانت ترجمه كيف وهي التي كانت تحاوطه وحدها وليس معها إلا الله في بادئ الأمر منذ ولادته، وكلنا يذكر سبب قصة السعي بين الصفا والمروة والبحث على الماء لوليدها، كيف بعد هذا كله أن يجول بخاطرنا قبول أمر كقصة الذبح، إنما الجواب أحباب الحبيب المصطفى ﷺ هو (حسن القصد لله) فأيقنت بقلبها أن ما عند الله خير وأبقى، وأنه أكرم الأكرمين وحاشاه من أن يجود بشيء ويمنعه، بل يعطي ويعطي الكثير عوضًا عنه.
وهذه القصة تذكرنا بقصة السيدة أم سيدنا موسى ؑ عندما خافت على وليدها ويأمرها سبحانه أن ترميه في اليم عندما قال سبحانه ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِى وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ ومن إشارات (النحر) هو ذبح الهوى والهوى هو القاطع الرابع من الشركاء المتشاكسون في ابن آدم والهوى هو مخالفة النص، واتباع الهوى من أحوال الغافلين عن الذكر، ألا ترى أخي الكريم قول الحق سبحانه ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ فالنحر إشارة إلى ذبح الهوى واتباع الحق، وذبح الهوى هنا المقصود به الهوى السيء لدى المرء من مخالفته وعدم اتباعه، ولكن هناك هوى آخر محمود وهو أن يكون هواك في اتباع الحبيب المحبوب ﷺ ألا ترى قول الحق سبحانه ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فكان اتباع الحبيب ﷺ سببًا في محبة الحق ومغفرة الذنوب، وقال ﷺ ﴿ لَنْ يَسْتَكْمِلَ مُؤْمِنٌ إِيمَانَهُ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ ﴾ ومن قاموا على درب الحبيب ﷺ بالاتباع قالوا:
هُدينا بل حُبٍينا بل وإنا
بما جاء النبي غدا هوانا
فاللهم اجعل هوانا في اتباع حبيبك ومصطفاك ﷺ
أو كما قال ﷺ ﴿ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ﴾ ﴿ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، وَادْعُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ مِنَ الْإِجَابَةِ تُجَابُوا ﴾
الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر..
لا إله إلا الله.. الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد
اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد..
أحباب الحبيب المصطفى!
ما زلنا مع معاني إشارات هذه الأيام المباركات ننهل منها ونتزود، لندرك ما فاتنا، وترشدنا فيما بقي من عمرنا إلى النجاة من دار الاختبار والفكر والاعتبار إلى دار الخلود والقرار والمقامة مع الأخيار.
ومن أوكد أركان (الحج) الوقوف بعرفة لقول الحبيب المصطفى ﷺ ﴿ الْحَجُّ عَرَفَةُ ﴾ فمن معاني إشارات هذا الركن الكثير، منها أن الوقوف به لأنه موضوع الاستئذان لدخول حرمه تعالى والطواف ببيته الحرام فكان الوقوف بعرفة هو أساس الحج وعليه مدار الأمر، فإذا لم يقف المرء في موضع الإذن فاته وقت الإذن، فلم يدركه إلى عام قابل، وقالوا أيضًا أن عرفة مشتق من فعله، فتعرف المرء إلى ربه لينجزه وعده ويغفر له ما سلف فكانت الإشارة إلى المعرفة، فالمعرفة هنا التي تنير للإنسان الطريق من ظلام الجهالات، فهي ليست كسائر المعارف وإنما المعرفة بالله التي يصحبها الخشية منه، وفي الحديث عنه ﷺ أنه ﷺ قال ﴿ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ﴾ ولذلك قالوا: الخوف على قدر المعرفة والمحبة على قدر الاتباع، فالخشية المطلوبة للمرء هي التي تلين قلبه إلى ذكر الله كما قال تعالى ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فمن ارتقى ووصل إلى هذا الموطن موطن المعرفة تأتي منه الخشية إلى قلوب العباد فتلين بل وتلين جلودهم لذكره كما قال الإمام فخر الدين ؓ:
ألم تر أن الله قد جاء قوله
يفصّل ما قد أجملته المثاني؟
تلين جلود الراهبين لذكره
وينعم قلب بات للوجه رانيا
أحباب الحبيب المحبوب ﷺ! وبعد أن فرغ الناس من الحج بالوصف والمعاني التي ذكرت، يخرج الإنسان من ظلام السوء من الصفات واتباع أهل الرعونات كيوم ولدته أمه من الذنوب والخطايا، فتحتضنه الصفات السنية ليرقى بها إلى المقامات العلية فاتباعه للحبيب ﷺ يؤدي بالمرء إلى مكارم الأخلاق، التي بعث ليتممها كما قال ﷺ ﴿ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ﴾ وكيف لا وهو ﷺ من قال فيه ربه سبحانه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
اللهم اغفر لأمة سيدنا محمد ﷺ، اللهم ارض عن أمة سيدنا محمد ﷺ، اللهم الطف بأمة سيدنا محمد ﷺ، اللهم تفضل على أمة سيدنا محمد ﷺ، اللهم استر أمة سيدنا محمد ﷺ، اللهم آت نفوسنا هداها، وألهمها رشدها وتقواها، وزكها وأنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه حبيبك سيدنا محمد ﷺ، ونستعيذ بك من كل شر استعاذ بك منه حبيبك سيدنا محمد ﷺ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وكل عام وأنتم بخير