خطاب 2024 عید الاضحی
الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر..
الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله الذى فتح لأوليائه طرق الوسائل، وأجرى على أيديهم الكريمة أنواع الفضائل، فمن اقتدى بهم اهتدى، ومن ضل طريقهم شقى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
أيها الأحبة..
إن الحياة الدنيا مليئة بالمحن والمتاعب والبلايا والشدائد والنكبات، إن صفت يومًا كدرت أيامًا، وإن ضحكت ساعة أبكت أيامًا، لا تدوم على حال، قال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ آل عمران 140.
تكون عافية وبلاء، صحة ومرض، عز وذل، فقر وغنى.
إن الفرج قريب، واليسر عجيب، ومفاتيحه لا تغيب، وتنكشف بها الهموم، وتقضى بها الديون، وينصر بها المظلوم، فهى مفاتيح تفتح بها المغاليق وتحل بها المتاريس، فأعيرونى قلوبكم وأسماعكم.
وكما قال الإمام فخر الدين رضي الله عنه:
وَسَوْفَ يَكُونُ الِانْفِرَاجُ بِفَضْلِهَا
لنفتح بابًا من أبواب الفرج بمفتاح ((التوكل على الله))
ذكر صاحب قوت القلوب أن التوكل من أعلى مقامات اليقين وأشرف أحوال المقربين.
قال سبحانه:
﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ آل عمران 159.
فجعل المتوكل حبيبه وألقى عليه محبته، وقال عز وجل:
﴿ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ إبراهيم 12.
يرفع المتوكلين إليه، وجعل مزيدهم منه، وقال جلت قدرته:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ الطلاق 3.
أى: كافيه مما سواه، فمن كان الله تعالى كافيه فهو شافيه ومعافيه، ولا يسأل عما هو فيه.
فقد ورد عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
﴿ لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ﴾ سنن ابن ماجه.
كما أخبرنا المولى سبحانه كيف كان التوكل سببًا للنجاة من الشدائد، فقال:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ ﴾ آل عمران 173-174.
وسئل سيدنا يحيى بن معاذ رضي الله عنه: متى يكون الرجل متوكلًا؟
فقال: إذا رضى بالله تعالى وكيلًا.
وقال أبو يعقوب السوسى:
لا تطعنوا على أهل التوكل، فإنهم خاصة الله الذين خصوا بالخصوصية، فسكنوا إلى الله، واكتفوا به، واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة.
وقال:
من طعن فى التوكل، فقد طعن فى الإيمان؛ لأنه مقرون به، ومن أحب أهل التوكل فقد أحب الله تعالى.
فأول التوكل المعرفة بالوكيل، وأنه عزيز حكيم، يعطى لعزه، ويمنع لحكمه، فيعتز العبد بعزه ويرضى بحكمه.
وكذلك أخبر عن نفسه ونبه المتوكلين عليه، فقال سبحانه:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ الأنفال 49.
عز من أعز بعطيته، ونظر لمن منعه بحكمته.
ومن مفتاح التوكل على الله إلى مفتاح «الاستغفار»
والاستغفار أحد مفاتيح الفرج بنص حديث المصطفى ﷺ:
﴿ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ سنن ابن ماجه.
وورد عن سيدنا لقمان عليه السلام أنه قال لابنه:
يا بنى، عوّد لسانك: اللهم اغفر لى؛ فإن لله ساعات لا يرد فيها سائل.
وعن الإمام الحسن رضي الله عنه أنه قال:
أكثروا من الاستغفار فى بيوتكم، وعلى موائدكم، وفى طرقاتكم، وفى أسواقكم، وفى مجالسكم؛ فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة.
وذات يوم شكا رجل لسيدنا الحسن البصرى رضي الله عنه الجدب، وهو قلة المطر، فقال له: استغفر الله.
وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله.
وقال له آخر: ادع الله أن يرزقنى ولدًا، فقال له: استغفر الله.
وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله.
فقلنا له فى ذلك؟
فقال: ما قلت من عندى شيئًا، إن الله تعالى يقول فى سورة نوح:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾.
وقالوا:
من أعطى أربعًا لم يحرم أربعًا: من أعطى الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن أعطى التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطى الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة.
وقال الإمام على كرم الله وجهه:
العجب ممن يهلك ومعه النجاة.
قيل: وما هى؟
قال: الاستغفار.
وكان يقول:
ما ألهم الله سبحانه عبدًا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه.
فيجب عليك أيها الأخ الحبيب أن تكثر من الاستغفار للعزيز الغفار؛ لأن البلاء لا ينزل إلا بذنب، وعلاج الذنوب الاستغفار.
كما قال قتادة رحمه الله:
القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم؛ أما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار.
ويرغبنا المصطفى ﷺ فى الاستغفار، فيقول:
﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، فَإِنِّى أَسْتَغْفِرُ اللهَ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ﴾ الزهد والرقائق لابن المبارك.
وهو ﷺ من هو.
ونرى كل الخير فى مفتاح «التوسل إلى الله»
فمما ينجيك عند الشدائد أن يكون لك وسيلة إلى الله، وأن تكون لك خبيئة تستخرجها وتتوسل بها عند الشدة والضيق.
فقد قال سيدنا الزبير بن العوام رضي الله عنه:
من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل.
والخبيئة من العمل الصالح هو العمل الصالح المختبئ، أى المختفى.
وسيدنا الزبير رضي الله عنه ينبهنا هنا إلى أمر نغفل عنه، ألا وهى المعادلة بين الأفعال رجاء المغفرة؛ فلكل إنسان عمل سيئ يفعله فى السر، فأولى له أن يكون له عمل صالح يفعله فى السر، لعله أن يغفر له الآخر.
وكما توسلت بعملك الصالح إلى الله، يجب عليك أن تتخذ رجلًا صالحًا يقربك إلى الله.
فانظروا إلى الإمامين الجليلين: الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه والإمام الشافعى رضي الله عنه.
فقد توسل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه بالإمام الشافعى رضي الله عنه، حتى تعجب ابن الإمام أحمد من أبيه، وقال له:
يا أبى، أى رجل كان الشافعى، فإنى سمعتك تكثر من الدعاء له؟
فقال له الإمام أحمد:
إن الشافعى كالشمس للناس وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذين من خلف، أو منهما عوض؟
ويرشدنا مفتاح التوسل إلى مفتاح (التعرف على الله فى الرخاء)
اعلموا عباد الله أن من سنن الله تعالى الجارية أن من تعرف عليه سبحانه فى الرخاء، يعرفه المولى سبحانه وقت الشدة.
فقد قال ﷺ:
﴿ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِى الرَّخَاءِ ﴾ سنن الترمذى.
وعن سيدنا أبى الدرداء رضي الله عنه أنه قال:
ادع الله تعالى فى يوم سرائك، لعله أن يستجيب لك يوم ضرائك.
فإذا ضاقت عليك الضوائق، وأتت عليك المصائب، وكنت فى الرخاء تذكر الله وتقوم بحدود الله، ينجيك الله ويجعل لك مخرجًا.
وقال بعض الصالحين:
تعرفوا إلى الله عز وجل فى الرخاء يعرفكم فى الشدة.
فإن سيدنا يونس عليه السلام كان ذاكرًا لله عز وجل، عارفًا بالله فى الرخاء، فلما وقع فى بطن الحوت نجاه الله، فقال سبحانه:
﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ الصافات 143-144.
ولما كان فرعون كافرًا جاحدًا، ناسيًا لذكر الله عز وجل، لما وقع فى البحر قال:
﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يونس 90-92.
فكلاهما ذكر الله عز وجل فى الشدة، وأعلنوا إيمانهم فى الشدة، ولكن سيدنا يونس عليه السلام كان من أنبياء الله، وكان من الذاكرين.
ولما وصل إلى ظلمة بطن الحوت دعا الله:
﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾.
يعنى: لولا ما كان من المسبحين، لصار فى بطن الحوت إلى يوم الدين.
أما فرعون فكان مستكبرًا على طاعة الله، وأعلن إيمانه وهو يعانق الغرق، فلم يقبل الله منه، بل جعله الله عبرة:
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يونس 92.
واليسر نجده فى مفتاح «من يسر على معسر»
فمن يسر على معسر فرج الله كربه، ويسر له أمره، وتلك من سنن الجزاء من جنس العمل.
فمن يسر، يسر الله عليه، ومن عسر، عسر الله عليه.
ويخبرنا الحبيب المحبوب ﷺ:
﴿ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾.
وعن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
﴿ مَنْ يَكُنْ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ، يَكُنِ اللهُ فِى حَاجَتِهِ ﴾ جمع الجوامع للحافظ السيوطى.
وعن سيدنا عبد الله بن أبى قتادة رضي الله عنه أن أبا قتادة طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده.
فقال له: إنى معسر.
فقال: الله الله، إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول:
﴿ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ﴾ الإمام مسلم فى الصحيح.
فيا أيها التاجر، ويا أيها المالك، ويا صاحب المال والجاه: الله الله بالناس، الله الله بالمعسر.
هل أنت فى غنى عن فضل الله عز وجل؟
هل أنت فى غنى عن النجاة من كربات يوم القيامة؟
تذكر أنك بإنظارك للمعسر قد ضمنت التيسير لأمورك فى الدنيا والآخرة، وأنك فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة، كما قال ﷺ:
﴿ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ﴾ المعجم الكبير للطبرانى.
ومما لا شك فيه أن «دعاء المضطر من مفاتيح الفرج»
فقد قال المولى سبحانه:
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ النمل 62.
قال أهل التفاسير:
المضطر هو الذى أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر، فما له من باب غير اللجوء والتضرع إليه سبحانه.
ويقول الحافظ ابن كثير:
ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، الموجود عند النوائب:
﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ الإسراء 67.
وقال أيضًا:
﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ النحل 53.
يجيب المضطر إذا دعاه، ما يلجأ المضطر إلا إليه، وما يكشف الضر سواه.
فسبحانه من إله ساترًا للعيب، غافرًا للذنب، كاشف السوء، ليتكم تفقهون.
ومن باب المضطر إلى مفتاح «إقامة الصلاة»
أحبتى فى الله..
إن للصلاة تأثيرًا عجيبًا فى علاج الهموم والغموم وتفريج الكروب؛ ولذلك أمرنا سبحانه بالاستعانة بها فى كل الأمور، فقال عز من قائل: