خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 5

الخطاب الذى وجهه مولانا الإمام الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ الطريقة الى الأمة الإسلامية مساء الأربعاء الثانى عشر من شهر أبريل عام 2006

بِسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

الحمد لله على موجبات حمده، نحمده تبارك وتعالى على بديع صنعه وعظيم إحسانه، خلق حبيبه من نوره ورزقه من صفاته وخلقه بأسماءه واستعمله فى عبودته، فاللهم صل على عبد الذات ورسول الأسماء والصفات صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله وعلى آله الذين ساروا على نهجه وأصحابه الذين لم يُخطئوا دربه، صلوات وتسليمات من روح تعشقه وقلب أحبه وعقل أسلم له وجسد هام به فعزره ووقره. قد يعتقد البعض أننى فى مناسبة الحولية للإمامين رضى الله عنهما أود التحدث عن المناقب، أقول نعم، ولكن قد تختلف نوعية المناقب التى أود التحدث عنها، فقد اعتاد الناس سماع مناقب مقامات زاهرة وكرامات باهرة وعلى ما اعتاد الناس أسير، ولكن المناقب والمقامات والكرامات وخرق العوائد هنا هى نوعية لم يعتد الناس على ذكرها، ألا وهى مكارم الأخلاق التى بعث الحبيب المصطفى ليتممها، ومع اختلاف تعريف مكارم الأخلاق أود أن آخذ المعنى البسيط منها، إذ أن مكارم الأخلاق عند السادة الصوفية هى التخلق بأخلاق الله وهى ناتج (السير فى الله) بعد (السير إلى الله) وفى هذا المضمار يكفينا بيت واحد يتحدث فيه سيدى فخر الدين عن تخلقه بالاسم (الصبور) الذى هو نهاية المضمار وعليه المدار فى تلك الدار بعد هذه الدار إذ يقول:

وصبرى صبر لم ير الناس مثله سهامى نور والضلال رميتى

وكذلك بالنسبة لمولانا الشيخ إبراهيم فكما قال سيدنا يوسف] قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون [[1] وقد أجملها سيدى فخر الدين فى قوله:

وعلى كاهل الأمين متاعى وعليه الأمان وهو الصريم

ولكن الحديث يكون أجمل فى الأخلاقيات لمن أتم فقه العقائد وفقه العبادات إلى فقه المعاملات، فمن مكارم الأخلاق أن يكون الإنسان قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسنى والمبتدع، من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى مذهبه، لأن الله تعالى قال لسيدنا موسى وسيدنا هارون عليهم السلام] اذهبا إلى فرعون إنه طغى % فقولا له قولا لينا [[2] فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، بل قد أمرهما الله تعالى باللين معه. وسُئلت السيدة عائشة عن خُلقه فقرأت] قد أفلح المؤمنون [[3] إلى عشر آيات وقالت: ما كان أحد أحسن خُلقا من رسول الله، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، ولذلك قال الله تعالى] وإنك لعلى خلق عظيم [[4] ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبى منه الحظ الأوفر.

وقال الإمام الجنيد: سَمَّى خُلقه عظيما لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى، وقد روى عنه أنه قال ?أدّبنى ربى تأديبا حسنا? إذ قال] خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [[5] فلما قبلت ذلك منه قال] وإنك لعلى خلق عظيم [فحض على مكارم الأخلاق، لما رُتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة.

وروى البخارى من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير فى قوله] خذ العفو وأمر بالعرف [قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا فى أخلاق الناس، وروى سفيان بن عُيَيْنَة عن الشعبى أنه قال: إن جبريل نزل على النبى فقال له النبى ?ما هذا يا جبريل؟ فقال: لا أدرى حتى أسأل ربى فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطى من حرمك وتصل من قطعك? فنظمه بعض الشعراء فقال:

مكارم الأخلاق فى ثلاثة ----ممن كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من ----تقطعه والعفو عمن اعتدى

وقال سيدى جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق فى هذه الآية، وليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وقال ?بعثت لأتمم مكارم الأخلاق?. وقال الشاعر:

كل الأمور تزول عنك وتنقضى ----إلا الثناء فإنه لك باق ولو أننى خُيِّرْتُ كل فضيلة ----ما اخترت غير مكارم الأخلاق

فمكارم الأخلاق من تلك الزاوية هى كيفية معاملة الناس فى ترفع عن النزول إلى مستوياتهم فى الخصام وفى رفعهم إذا كانوا محبين أو تابعين أو مريدين وقد قال سيدى فخر الدين:

إن الناس فى المعاملات على أربع درجات، العين بالعين والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين:

أما الأولى فعن ابن عباس قوله] أن النفس بالنفس [[6] قال: يقول تُقتل النفس بالنفس وتُفقأ العين بالعين ويُقطع الأنف بالأنف وتُنزع السن بالسن وتُقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوى فيه المسلمون فيما بينهم رجالهم ونسائهم إذا كان فى النفس وما دون النفس.

ولكن هذا النوع من المعاملات يؤخذ عليه بقول سيدنا عمر (ذنب بذنب والبادى أظلم) فإن كان البادى أظلم فإن آخذ حقه بتلك الطريقة ظالم وهذا هو التظالم الذى قال فيه سيدى فخر الدين:

ما ضر لو بات المحب وقد عفا إن التظالم بؤرة الإظلام

أما الدرجة الثانية فى المعاملات فهى كظم الغيظ وملك النفس عند الغضب وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس، فقال ?ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب? وقال ?ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعة غيظ فى الله? وروى أنس أن رجلا قال: يا رسول الله ما أشد من كل شئ؟ قال ?غضب الله? قال فما ينجى من غضب الله؟ قال ?لا تغضب? قال العرجى:

وإذا غضبت فكن وقورا كاظما ----للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا تصبر ساعة ---- يرضى بها عنك الإله وترفع

وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذى عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنى عن أبيه عن النبى قال ?من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره فى أى الحور شاء?. أما عن الدرجة الثالثة قال زيد بن أسلم] والعافين عن الناس [[7] عن ظلمهم وإساءتهم، فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال] وإذا ما غضبوا هم يغفرون [[8] وقال عروة بن الزبير فى العفو:

لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويُشتموا فترى الألوان مشرقة لا عفو ذل ولكن عفو إكرام

وروى أنس عن النبى أنه قال ?إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذى أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب? ذكره الماوردى.

وقال ابن المبارك: كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل، فقلت يا أمير المؤمنين قال رسول الله ?إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدى الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب? فأمر بإطلاقه.

وأخرج تمام فى فوائده وابن عساكر عن ابن عمر عن النبى قال ?خيار أمتى خمسمائة والأبدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون وكلما مات بدل أدخل الله عز وجل من الخمسمائة مكانه وأدخل فى الأربعين مكانهم فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، فقالوا: يا رسول الله دلنا على أعمال هؤلاء؟ فقال: هؤلاء يعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم ويواسون مما آتاهم الله، قال: وتصديق ذلك فى كتاب الله] والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين [.

وأخرج الديلمى عن أنس قال: قال رسول الله ?رأيت ليلة أسرى بى قصورا مستوية على الجنة فقلت يا جبريل لمن هذا؟ فقال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين?. أما الدرجة الرابعة فهى الإحسان لمن أساء إليك، فقد روى أن رجلا خاض فى سيدى على زين العابدين فأخبره الناس، فلما جن الليل أخذ سيدى على صُرَّة من المال وطرق باب الرجل فلما فتح الباب قَدَّم له الصُرَّة وقال له بلغنى أنك اليوم أهديت إلى حسناتك فتوارى الرجل خجلا من كرم سيدى على زين العباد وصار من أشد المحبين له.

وروى عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاى، استعمل قوله تعالى] والكاظمين الغيظ [قال لها: كظمت غيظى، فقالت: اعمل بما بعده] والعافين عن الناس [، فقال: قد عفوت عنك، فقالت الجارية:] والله يحب المحسنين [قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى.

وروى عن الأحنف بن قيس مثله فلما سألوه هل رأيت أحلم منك؟ قال: نعم، وتعلمت منه الحلم، قيل: ومن هو؟ قال: قيس بن عاصم المنقرى، حضرته يوما وهو مُحْتَبٍ يحدثنا إذ جاءوا بابن له قتيل وابن أخ له كتيف، فقالوا: إن هذا قتل ابنك هذا، فلم يقطع حديثه ولا نقض حبوته، حتى إذا فرغ من الحديث التفت إليهم فقال: أين ابنى فلان؟ فجاءه، فقال: يا بنى قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه، وإلى أم القتيل فأعطها مائة ناقة فإنها غريبة لعلها تسلو عنه.

ثم يأتى الدور فى الحديث عن الشائعات وخطرها المدمر على المجتمعات عَلَّنا نتساءل كيف تبدأ الشائعة؟ ويكون لها دور فى تفكك المجتمع؟

تنشأ الشائعة لعدم وجود قناة اتصال بين مصدر الشائعة والناس التى تنتشر بينهم تلك الشائعة، وبالتالى تجد تلك الشائعة مناخ النمو والازدهار، وفى هذا المناخ تغيب الشفافية فى معظم الأحيان ويترعرع عدم الثقة بين الأشخاص، وفى مناخ كهذا يصبح انتشار الشائعة كانتشار النار فى الهشيم. وهى احدى الوسائل المستخدمة فى الحرب النفسية والتى يتم اللجوء إليها فى أوقات الحروب من أجل زعزعة صفوف المحاربين وإضعاف ثقتهم بأنفسهم.

فقد حدث فى أعقاب غزوة أحد أن أخذت قريش تنشر الشائعات بين العرب أنها حطمت دولة الإسلام وأنها على وشك القضاء عليها، فطمعت قبائل العرب بالمسلمين وأخذوا يَعدون للإغارة على المدينة، فأرسل النبى أبا سلمة بن عبد الأسد فى مائة وخمسين من أصحابه إلى بنى أسد فباغتهم وشتت شملهم، وعاد إلى المدينة غانما.

فكانت الشائعة مصدر هلاك وخراب وهى كذلك فى كل الأوقات، فيجب على المسلم التأكد من الخبر قبل أن يكون سببا فى نشر أكذوبة عارية من الصحة والحقيقة قد تتسبب فى خصومة أو قتل نفس أو تفريق شمل الجماعة التى حض رسول الله على أُلفتها بقوله (الجماعة الجماعة إنما يأكل الذئب القاصية).

كيفية محاربة الشائعات

ليس هو بالأمر السهل ولكن توجد طرق يمكننا من خلالها معالجة أو مكافحة الشائعة إن لم نتمكن من القضاء عليها كلية، فتوفر آلية منهجية للتعامل مع أى شائعة أمر هام وتعتمد تلك الآلية على ثلاث خطوات أساسية هى:

الأولى: تحديد الشائعة التى تنتشر بالضبط ومصدرها وهى المرحلة الأولى ويتم الاعتماد على فرق من المجتهدين فى مجال النشاط الاجتماعى لتحقيق تلك الغاية.