والثانية: صياغة استراتيجية فعالة لمعرفة أى الشائعات صحيح وأيها خطأ، وفى بعض الحالات يكون جزء من الشائعة صحيحا والآخر غير ذلك، ويتم التغلب على تلك الصعوبات من خلال تشكيل لجان تضم أشخاصا يمكنهم الوصول إلى معلومات دقيقة حول أى شائعة.
والخطوة الثالثة للتعامل مع الشائعة: هى عملية تصحيح الشائعة، وهنا تلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا فى المسألة، حيث تصحح المعلومات الخاطئة من خلال نشر المعلومات التى تتوصل إليها جهود التحكم فى الشائعة التى أشرنا إليها آنفا. ولا يخلو تاريخ الأنبياء والرسل أنفسهم من قذائف الشائعات التى أطلقها عليهم خصومهم وأعداؤهم، ولكنها فى النهاية انقبلت على مُرَوِّجِيهَا.
فنبى الله نوح عليه السلام أُطلقت عليه الشائعات وقذفوه بالكذب والضلال والجنون.
وكذلك نبى الله هود عليه السلام، وصفه قومه بالسفاهة، بل أشيع أنه أصيب بمس فى عقله سَبَّبَ له الهذيان
وأما موسى عليه السلام فقد اتهمه قومه بالسحر والجنون والكذب والفساد فى الأرض.
وكانت مريم البتول أكثر مَن تضررت بالشائعات لأنها مست شرفها وهى أطهر نساء العالمين، ولولا عناية الله بها فكانت تلك المعجزة التى جعلت من وليدها يتكلم وهو فى المهد ليقطع دابر الفتنة التى أحاطت بها وليخرس كل الألسنة التى تجرأت عليها.
أما نبينا الكريم سيدنا محمد فقد حُوصر بكل أنواع الشائعات منذ بعثته، فاتهموه بالكفر والجنون، وفى واقعة الإسراء والمعراج اتهموه بالكذب، ونبه القرآن الكريم إلى الدور الذى لعبه اليهود فى المدينة وكذلك المنافقون فى ترديد الشائعات بمختلف أنواعها، وتكرر ذلك فى واقعة زواجه بالسيدة زينب بنت جحش رضى الله عنها بعد أن طلقها زيد بن حارثة، وكذلك فى واقعة حديث الإفك الشهيرة التى مست زوجته السيدة عائشة رضى الله عنها فى شرفها، ولكن الله هو الذى أظهر براءتها بآيات الإفك المعروفة فى القرآن الكريم، ليعلو صوت الحق على صوت الباطل ولتصبح هذه الواقعة فرصة لكى يتعلم المسلمون مدى فداحة ما يرتكبه من يطلق الشائعة ومن يُرَوِّجْ لها، بل ومن يصدقها أيضا باعتبار أنه يساعد على انتشارها.
ولابد للمتلقى للشائعة من إعمال العقل والتمييز بين الحق والباطل، ولا يعير للشائعة أهمية لا تستحقها، فالناس الذين لا عمل لهم، هم فقط الذين يضيعون أوقاتهم فى القيل والقال. كما أن من الشائعات أن تنشر بين الناس خبر فاحشة رأيتها بعينك وتظن أنك تقول الحق ولا تكذب، فانظر فى قوله تعالى] إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون [[9].
وأخرج ابن أبى حاتم عن خالد بن معدان قال: من حدث بما أبصرت عيناه وسمعت أذناه، فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا.
وأخرج ابن أبى حاتم عن عطاء قال: من أشاع الفاحشة فعليه النكال وإن كان صادقا.
وأخرج أحمد عن ثوبان عن النبى أنه قال ?لا تؤذوا عباد الله ولا تعيِّروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه فى بيته?.
وقد ظهر فى الآونة الأخيرة نوع من الفتن بإشاعة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للحبيب المصطفى وظهرت لها ردود أفعال مدمرة على المجتمع الإنسانى وهنا نود أن نوضح الأمر بحكمة وجلاء:
سيدى وحبيبى رسول الله حبا فيك وشوقا وعذرا إليك بما قامت به إحدى الشركات بالإعلان عن مسابقه لرسم رسول الله وقد تقدم لهذه المسابقة عدد من رسامى الكاريكاتير وتم نشر هذه الصور فى الجرائد، إن هذه المسابقة وهذه الرسومات إن نمت عن شئ فإنما تنم بجلاء عن جهل من قاموا بهذه المسابقه، هؤلاء جميعا لن نقول أنهم لم يقرأوا عن النبى للعلماء المسلمين وإنما لم يقرأوا عنه لعلمائهم ومفكريهم، فإن هناك عدد من المفكرين المنصفين قد كتبوا عن النبى فى الغرب ومنهم من تحدث عنه كشخص عظيم ومنهم من تحدث عنه كأعظم من عاش فى العالم، فلنرى ماذا كتبوا عنه:
لامارتين: فى كتابه (تاريخ الأتراك) باريس 1854 م قال:
لا يوجد رجل أعظم من محمد. وهو ما أوضح عنه فى الكتاب بقوله:
لو كانت عظمة الهدف أو الغاية، كانت بساطة وضآلة تكاليف الوسيلة، بالإضافة إلى تحقيق النتائج الباهرة بنجاح وسلاسة هى المعايير الثلاثه للعبقرية البشرية فمن ذا الذى يجرؤ أن يقارن أى رجل عظيم من عظماء التاريخ بنبى الإسلام محمد.
البروفيسور ك. راما كرشينا: وهو فيلسوف هندوسى فى كتابه الموسوم بعنوان (محمد نبى الإسلام) فيقول فى شخص نبى الإسلام:
شاهد الناس فعلا هذه الظاهرة النادرة الحدوث، ظاهرة اجتماع القدرة على صياغة أفكار ونظريات جديدة، وظاهرة القدرة على تحريك الجماهير، وظاهرة القدرة على القيادة الفعلية للجماهير تجتمع على وجه الأرض لأول مرة فى شخص حقيقى من لحم ودم يمشى على قدميه فوق سطح الأرض ألا وهو نبى الإسلام محمد إنه الرجل الفذ العظيم، وهو من وجهة نظرى غير معاد وغير معارض للمسيح ومن اللازم أن نطلق عليه منقذ البشرية.
جورج برنارد شو: فى كتابه (عظمة الإسلام) المجلد الأول:
كان محمد هو روح الرحمة وقد ظل تأثيره باقيا خالدا على مر الزمان لم ينسه أحد من الناس الذين عاشوا حوله ولم ينسه الناس الذين عاشوا بعده.
ديوان شاندى شارما: البروفيسور الهندى فى كتابه المعنون بعنوان (أنبياء من الشرق) كالكوتا 1935 ص 122:
بعد مضى أربعة أعوام على وفاة الامبراطور ستنبان فى 569 م ولد فى مكة فى شبه الجزيرة العربية الرجل الذى مارس أعظم تأثير على كل الرجال فى العالم.
دكتور جون وليم درابر: فى كتابه (تاريخ التطور الفكرى فى أوربا) لندن 1875:
بمصادفة فريدة كل التفرد فى التاريخ يعتبر محمد مؤسسا لأمة من الأمم ومؤسسا لإمبراطورية من أكبر الإمبراطوريات ومؤسسا لدين من أعظم الأديان. ر. بوسو بوث سمث: فى كتابه (محمد والديانة المحمدية):
كان محمد هو الشخص الأكثر نجاحا بين كل الشخصيات الدينية. الانسيكلوبيديا البريطانية: الطبعة الحادية عشر قال العلامة بارتميلى سنت هيلر:
إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمدا من أعظم من عرفهم التاريخ، وأخذ بعض علماء الغرب ينصفون محمدا مع أن التعصب الدينى أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله.
غوستاف لوبون: فى كتابه (حضارة العرب):
كان محمد أعظم عرب زمانه ذكاءً وأشدهم تديناً وأعظمهم رأفةً، ونال محمد سلطانه الكبير بفضل تفوقه عليهم ويعد دينه الذى دعى الناس إلى اعتقاده جزيل النعم على جميع الأمم التى اعتنقته.
وألقى واحد من أعظم مفكرى القرن التاسع عشر ألا وهو (توماس كارلايل) محاضرة عنه بعنوان (البطل عندما يكون نبيا) واختار النبى محمدا موضوع المحاضرة وقال فيها:
محمد هو رجل الحق والأمانة والصدق، كان صادقا فيما يقول صادقا فيما يفعل وكان صادقا فيما يعتقد.
إتهام محمدا بأنه رجل كان يحاول تحقيق طموح شخصى دنيوى على أساس من رغبة جامحة فى الحصول على سلطات الملك الدنيوى إنما هو اتهام عار تماماً من الصحة لدرجة أنه لا يحتاج إلى مجرد البحث والمناقشة من جانبنا.
(مَن الذين كانوا أعظم قادة فى التاريخ؟) هذا هو عنوان غلاف مجلة تايم الأمريكية فى 15 يوليو 1974 وقد قامت بسؤال مجموعة من المؤرخين وكبار الكُتَّاب ورجال الأعمال وغيرهم عن اختيار كلٍ منهم فى هذا الصدد وَوَصْف كلٍ منهم لمرشحه بالعظمة!!
قال المؤرخ الأمريكى وليام مانكيل وهو أستاذ التاريخ بجامعة شيكاغو:
لو أننا كنا نقوم بقياس القيادة قياسا شاملا فسيكون لدينا أسماء هؤلاء القادة العظام فى التاريخ:
المسيح وبوذا ومحمدا وكونفوشيوس.
وسجل (جيمس جافين) الذى يوصف بأنه رجل القوات المسلحة الأمريكية وهو جنرال متقاعد حيث يقول: من بين القادة الذين أحدثوا أعظم تأثير فى العالم عبر الأجيال أعتقد أن أبرزهم محمدا وعيسى. ونصل الآن إلى رأى (جول ماسر مان) المحلل النفسى الأمريكى وأستاذ علم النفس فى جامعة شيكاغو، يقول: إن القادة يلزم أن يؤدى كل منهم ثلاث وظائف غاية فى الأهمية: الوظيفة الأولى هى أن يحقق مصلحة الجماعة التى يقودها. الثانية هى أن يوفر لأتباعه نظاما إجتماعيا يشعر فيه الناس بالأمن. الثالثة هى أن للقائد الحقيقى أن يكون قادرا على أن يمد أتباعه بمجموعة منسقة من العقائد الصحيحة. ويستخدم المعايير الثلاثة السابقة فى البحث والتحليل لمجموعة من الشخصيات والأنبياء ويصل فى النهاية إلى أن يقول:
ربما يكون أعظم قائد فى كل عصور التاريخ هو محمدا فهو وحده الذى جمع المزايا الثلاث والوظائف الثلاث للقائد.
كتاب القادة الدينيين لـ (هنرى توماس ودانالى توماس) سنة 1959 وفيه تراجم لثلاثة من الأنبياء الكبار وثلاثة من أئمة الديانات وعشرة من المصلحين، أما كبار الأنبياء فهم موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، تبتدئ ترجمة النبى بالأسطر التالية:
فى القرن السابع حين بدا على الدنيا أنها أصيبت بالجفاف وحين فقدت اليهودية مولدها واختلطت المسيحية بِمُوَرَّثات الأمم الرومانية والبربرية، نبع فى المشرق فجأة ينبوع صافى من الإيمان ارتوى منه العالم وقد كان محمد محبا لإخوانه من بنى الإنسان بسيطا فى معيشته يأكل خبز الشعير ويخدم نفسه وإن اجتمعت له أسباب الثراء، ويتورع أن يضرب أحدا أو يسؤه بكلمة تقريع، وقد حاول أن يقابل كراهية أعدائه بالحب لأنه يُعَلِّم الناس أن أحب الخلق إلى الله أحبهم إلى خلق الله، ولكن عُبَّاد الأوثان بمكة لم يسمعوا لدعوة المحبة والحكمة ...
إن من الحق أن يلاحظ أن صدق محمدا لا يتجلى فى كتاب مقدس فحسب بل هو يتجلى كذلك فى حياة مقدسة، لأنه كان بأصدق معانى الكلمة نعم المثال للمسلم الفاضل الذى أسلم نفسه إلى الله إسلام السمع والطاعة. إن صاحب الدعوة الإسلامية لم يبدأ المخالفين له بالحرب بل هم الذين بدءوه بها واضطروه إليها.
وقالا فى ختام الفصل عن السيرة المحمدية:
فالإسلام لا يخالف الديانات الأخرى بل هو يجمع ويؤلف ولا يطرد ولا يستثنى، ومن آداب المسلم أن يحترم عقائد غيره وأن يؤمن بأن العالم أمة واحدة تدين لرب واحد هو الله رب العالمين.
كتاب (العظماء مائة أولهم محمد) للكاتب الأمريكى مايكل هارت وتحدث فيه فى الفصل الأول عن النبى ووضعه الأول بعد أن رتب العظماء على مستوى العالم وجعل النبى أعظم العظماء دون منازع فقال فى الفصل الخاص بالنبى ما نصه الآتى:
يجوز أن يُدهش بعض القراء اختيارى محمدا ليكون على رأس قائمة الأشخاص الأكثر تأثيرا فى العالم؟ وربما كان ذلك عرضة للاستفسار من جانب آخرين، ولكن كان هو الرجل الوحيد فى التاريخ الذى تحقق له النجاح الكامل -كل الكمال- على المستوى الدينى وعلى المستوى الدنيوى.
لقد وضع محمد أسس دين من أعظم الأديان فى العالم وقام بنشره استنادا إلى مصادر ضئيلة وأصبح أيضا قائدا سياسيا عظيم التأثير، واليوم وبعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا بعد وفاته لا يزال تأثيره واسع الانتشار.