خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 4

ومن هذه الأبيات ننطلق إلى مايلى من المهام التى أخبر الله عز وجل عنها فى مستهل القرآن من سورة البقرة ?وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون?لبقرة 30 ... الآية، وهذه الآية توضح أن الأمر فى يد أمينة واحدة لا تقبل التثنية ونحن نرى البعض قد أطلق يده فى التصرف فى أمور الطريقة دون الرجوع إلينا فى شخصنا وهذه شراكة لا يقبلها الحق تبارك وتعالى تحت أى مسمى، فالبعض قد اتخذ المرشد شيخا فى أمور دينه ودنياه ونحن لا ننكر حق المرشد فحقه كما أوضحه شيخنا وقدوتنا الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى هو كحق الوالد من التعزير والتوقير والإحترام والطاعة فيما يرضى الله ورسوله على أن لا يكون حجابا بين المريد وشيخ الطريقة الواحد المعتمد من أهل السلسلة. كما أن البعض قد اتخذ من أهل البيت وسيلة ليرتقى بها رقاب الناس وقصر مفهوم أهل البيت الوارد فى الكتاب والسنة على أهل بيت الشيخ وهذا مخالف لما ورد فى الكتاب الكريم والسنة المطهرة فقد أخرج ابن أبى شيبه وأحمد والترمذى وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبرانى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس، أن رسول الله كان يمر بباب فاطمة رضى الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: (الصلاة يا أهل البيت الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله قال (أذكركم الله فى أهل بيتى)، فقيل لزيد: ومن أهل بيته، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.

فهذا هو المفهوم الصحيح لكلمة أهل البيت، ومع كل الإحترام والتقدير لكل آل البيت الطاهرين المكرمين فإنه ليس من حق أى من المرشدين أو المسئولين أو أهل البيت التصرف فى أى أمر من أمور الطريقة دون الرجوع إلينا شخصيا وذلك غير المسموح به فى الإرشاد العام من الأوراد والحضرة حمانا الله وإياكم من التفرق والشتات لدى بضع وسبعين وعموما فإن الطريقة بيد قوية وأمينة ولكنها لم تتخذ الترهيب وسيلة لتخويف الناس أو إجبارهم على فعل ما لا يريدون:

طريقى فى كل الطرائق مأمن ----وما عرفت ترهيب صيد بصائد وكل فتى لو أم دارى يحتمى ----يطيب بها عيشا وما خاب قاصدى

اخوانى .. اخواتى ..

تحدثنا العام الماضى عن التحديات التى تواجه منطقتنا العربية والإفريقية وعلى رأسها المخططات الأجنبية، ولعل الساحة الإسلامية على وجه العموم ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، بدأت تشهد تطبيق مراحل متقدمة من تلك المخططات التى ظلت تقف خلف معظم ما يجرى فى العالم الإسلامى. والسودان لم يكن بمعزل عما يجرى، فقد تسارعت فيه الأحداث بصورة كبيرة، فبينما تنفس الناس الصعداء بوقف الحرب فى جنوبنا الحبيب، إذا بالأوضاع تتفجر غرباً وشرقاً، لتدخل البلاد فى مرحلة غاية فى الخطورة، تزايدت فيها فعالية الاستراتيجيات الأجنبية فى تشتيت وإنهاك الجبهة الوطنية.

اخوانى .. اخواتى ..

لقد ظل مولانا الشيخ إبراهيم وعبر خطاباته السنوية يضع الركائز الأساسية لمواجهة تحديات العصر، وقد ظل يعمل لتوسيع المدارك والفهوم للتعامل ليس مع المخططات الأجنبية فحسب، وإنما أيضاً العبور من خلالها نحو ارساء دعائم الهدى النبوى الشريف فى أرجاء العالم باعتباره البلسم الشافى لأدواء العصر والحل الناجع لمشكلاته.

ولقد أشرنا العام الماضى للركيزة الأولى ألا وهى البناء الأخلاقى للأفراد وتسليحهم بسلاح الإيمان وتزكية النفوس وصبغها بالقيم الإسلامية السمحاء، لتشكل فى نهاية الأمر الفرد المسلم الصالح الذى يشكل ركيزة النهضة الإسلامية. كما سلط الضوء على مسئولية الدعوة باعتبارها ركيزة من تلك الركائز، حيث أوضح أن المولى عز وجل لم يحدث أن ترك أمر دينه يوماً من الأيام لاجتهاد البشر وما يعنيه ذلك من احتمالات الوقوع فى الخطأ، بل أرسل الرسل والأنبياء، وأوضح أن عهد الولاية قد بدأ بنهاية عهد الرسالات، وقد ربط مولانا بين ما يجرى على الساحة الدولية من فساد واضطراب وفتن وتطرف، بالخلل فى اتجاهين رئيسيين، أولهما الاجتهاد البشرى فى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، الذى ساد العالم فى المرحلة الماضية وكانت أهم نتائجه ذلك الغلو والتطرف الدينى الذى أصبح يهدد العالم بأسره، مشيراً لمدخل الحل المتمثل فى الحديث (صلاح آخر هذه الأمة بصلاح أولها علمائها وأمرائها) وثانيهما الخلل فى النظام العالمى الذى لم يستصحب قيم العدل والعلم والخير والمساواة خاصة فيما يتعلق بالدول الضعيفة أو النامية، داعياً لتأسيس نظام عالمى يؤسس لشراكة بين الدول الكبرى والصغرى، يقوم على أسس العلم والعدل وقيم الخير.

وقد نبه مولانا إلى أهمية التدبر فى تلكم الحقائق مشيراً إلى أن المأذون بالدعوة إلى الله هو المصطفى (وداعياًً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) الأحزاب 46 ... منبهاً لمسئولية الأولياء والأئمة المعتمدين من بعده ?ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون O الذين آمنوا وكانوا يتقون O لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم? يونس 62: 64 ... الذين يدعون إلى ربهم على بصيرة ودراية وليس اجتهاد معرض للخطأ أو الصواب ?قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى? يوسف 108 ... ?الرحمن فسئل به خبيراً? الفرقان 59 ... (كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به) الحديث.

اخوانى .. اخواتى .. إن التدبر فى ما قاله مولانا الشيخ إبراهيم يقود إلى مرافئ الحل، ولنتناول ذلك من خلال الحديث الشريف (الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل) وهو يشير إلى حقيقة بسيطة ولكنها ذات دلالات عميقة، ألا وهى أن الإيمان إذا ما وقر فى القلب فإن العمل الصالح يكون هو المرادف الطبيعى لذلك، ولعل النظر إلى الفساد الذى استشرى فى مجتمعنا الإسلامى يجب أن يقودنا إلى الوقوف للتأمل فى هذا الحديث الذى يحدد الأمور بشكل قاطع شأنه شأن المعادلات الرياضية التى لا تحتمل الإلباس، فوجود الإيمان فى القلب يرادفه العمل الصالح، وبالتالى فإن الفساد لا يمكن أن يكون مرادفاً للإيمان.

اخوانى .. اخواتى ..

قال تعالى فى محكم تنزيله ?وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً? النور 55 ... وقال أيضاً ?الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون? الأنعام 82.

من الحقائق الثابتة فى القرآن الكريم ارتباط الإيمان بالعمل الصالح فلا يأتى الإيمان إلا ويتبعه العمل الصالح، ولا يأتى موضع لنصر الله إلا سبقته أسباب وتوكل وإيمان وعمل صالح، وهناك الكثير من قصص الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، التى تشير لذلك، فلا نجد نصاً فى القرآن فيه انتصار لمن هو غير مؤمن أو مفسد، وهناك العشرات من الآيات الكريمة التى تشير إلى ذلك، ولعلنا بالتدبر فى خطابات مولانا الشيخ نكتشف انه ظل يؤسس لصلاح الدنيا والآخرة من خلال ترسيخ الإيمان فى القلوب ليتبعها العمل الصالح كمرادف طبيعى له، وذلك عبر النهج النبوى الشريف فى إصلاح القلوب والسمو بها بين مراتب الدين بواسطة الخبراء المختصين المتمثلين فى الأولياء الصالحين والأئمة المعتمدين.

اخوانى .. اخواتى ..

قال تعالى ?ولينصرن الله من ينصره إن الله قوى عزيز? الحج 40 ... وقال أيضاً ?الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون? وقال أيضاً ?وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون?هود 117.

إننا ندرك جميعاً أن تحديات العصر المطلوب منا مواجهتها من غزو فكرى ومخططات أجنبية إنما تنطلق مسنودة بعناصر القوة الاستراتيجية [سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً]، فى وقت ظلت تعمل فيه تلك المخططات على استكمال عناصر الضعف فى عالمنا الإسلامى، ولعل هذا الوضع يجعل الأمة أحوج ما تكون لتصحيح المسار، وان ذلك يتطلب اتخاذ خطوات استراتيجية جريئة، لا يمكن أن تكتمل ولا الشروع فيها، إلا باستيفاء العناصر الإيمانية التى أشار إليها مولانا الشيخ والتى تقود لرضاء المولى والحصول على نصرته ومدده، فما يحدث فى أرض المسلمين أمر لا يمكن مواجهته بمعزل عن دعم السماء، ولقد حكى القرآن عن الإمداد الإلهى لرسول الله وصحابته من بعده حتى أقاموا تلك الدولة العظيمة التى تمتد من أوربا حتى مشارف الصين فى سنوات قليلة، وحكى كيفية تنزل النصر من عند الله ليعوض الفارق بين الإمكانات المادية بين المسلمين من ناحية والفرس والروم من ناحية أخرى، كما حكى التاريخ قصة سيدنا عمر بن عبد العزيز الذى أنجز عملاً لا يمكن إتيانه بالمعايير الطبيعية، حيث أثبت التاريخ أن تطبيقه للعدل الصرف ومخافة الله فى عباده، قد أنزل النصر والمدد فأمطرت السماء بعد جفاف، ونبت الزرع وامتلأ الضرع، وحدث تحول اقتصادى عظيم حيث انتقلت الدولة خلال أقل من عامين من دولة سمتها العامة شعب من الفقراء إلى دولة يسعى عمال زكاتها طوال النهار ولا يجدون من يأخذ الزكاة.

إن التدبر فى هذا وغيرها من الأمثلة التى وردت فى القرآن، يشير إلى أن الاستنصار بالله يتطلب الأخذ بالأسباب والإيمان والعمل الصالح ومن ثم التوكل على الله. واليوم ونحن نحتفل بالذكرى الثانية لمولانا الشيخ إبراهيم فإن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى التدبر بعمق فيما قاله حتى نؤسس لعالم تسوده المحبة والعدل والسلام.

قال رسول الله (صلاح آخر هذه الأمة بصلاح أولها علمائها وأمرائها) وقال المولى عز وجل فى محكم تنزيله ?ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون?هود 123 صدق الله العظيم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وكل عام وانتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته