خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 48

خطاب 2024 عید الفطر

خطبة عيد الفطر المبارك

الأربعاء غرة شوال 1445هـ الموافق 2024/4/10م

الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر

الحمد لله ولي المؤمنين وأنيس الصالحين، وجابر المنكسرين ومغيث المكروبين ومجيب الداعين، نحمده فى العافية والبلاء ونشكره فى السراء والضراء، ونثنى عليه الخير كله، فرب سراء أورثت غرورًا وكفرًا وقطعًا، ورب ضراء استخرجت توبة ودعاء ووصلًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكمة الباهرة فى أفعاله، وله الحجة البالغة على عباده، لا يقضى قضاء لمؤمن إلا كان خيرًا له، فأهل الرضا ينعمون برضاهم، وأهل السخط والاعتراض يعود عليهم سخطهم واعتراضهم بالحسرة والندامة.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أتى بالبشارة والنذارة، فبشر من التزم وتحلى بالعزة والرفعة، وفى الآخرة بالفوز برضوان الرب الكريم، وأنذر من فرط وأهمل وتحلى بالفشل والذل والهوان فى الحياة الدنيا، وفى الآخرة بالعذاب والخسران المبين.

أما بعد.. فيا عباد الله..

منذ ساعات قلائل ودعنا الشهر الفضيل، الذى قال عنه جل وعلا:

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ البقرة 185.

وقبل أن تتسع فجوة الزمن بيننا وهذا الشهر الفضيل، يجب علينا أن نقف وقفة مع أنفسنا، لأن النفس من الأعداء الملازمة للإنسان ليله ونهاره وفى حله وترحاله، ولما كانت فى كل أحواله تزين له الباطل وتدعوه لاتباع الهوى، وتسعى لإيقاعه فى الزلل، فقد لزم لأهل العقول والنهى محاسبتها ومنعها عن زيغها، اتباعًا للتوجيه الإلهى الكريم والنداء الربانى العظيم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ الحشر 18.

وهذا نبينا ﷺ یحث على محاسبة النفس فيقول:

﴿ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ ﴾ مسند أحمد.

فحق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين ينصحونه للخير، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها، فيما يحل ويجمل، فإن فى هذه الساعة عونًا على تلك الساعات:

صغيرٌ يطلب الكِبَرا وشيخٌ ودَّ لو صَغُرا

وخالٍ يشتهى عملًا وذو عملٍ به ضَجِرا

وربُّ المال فى تعبٍ وفى تعبٍ من افتقرا

وذو الأولاد مهمومٌ وطالبهم قد انفطرا

ومن فقد الجمال شكى وقد يشكو الذى بَهِرا

ويبغى المجد فى لهفٍ فإن يظفر به فترا

شكاةٌ ما لها حكمٌ سوى الخصمين إن حضرا

أحبتى فى الله..

هكذا حياة الإنسان لا تدوم على حال ولا يستقر لها قرار، فكلما تطلع المرء إلى أمر طلب غيره، وكلما كان على حال تاقت نفسه إلى حال آخر، وكلما اشتهى شيئًا وقبضه سعى لغيره، وكلما وصل إلى منصب أو مكانة طمع فى غيرها.

عن سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

﴿ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ﴾ مسند أحمد.

فعدم الرضا يصيب الإنسان بأخطر أمراض النفس البشرية كالهموم والأحزان والقلق والاضطرابات وعدم الاستقرار والمشاكل، وصراعات الدول والحروب بينها، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان بتعديه على نفسه وماله وعرضه.

وقد جاء الإسلام بعلاج هذا كله، وذلك بتوحيد الله بأسمائه وصفاته، وتحقيق عبودية الرضا بما قسم الله للعباد من أرزاق وأقدار وأحوال وابتلاءات.

فالرضا هو السياج الذى يحمى المسلم من تقلبات الزمن، وهو البستان الوارف الظلال الذى يؤوى إليه المؤمن من هجير الحياة، والمرء بدون الرضا فريسة لليأس، فتتناوشه الهموم والغيوم من كل حدب وصوب.

واعلموا أن من أكثر ما وهب الله لعباده وأعظمها خطرًا: القناعة، وليس شيئًا أروح للبدن من الرضا بالقضاء والثقة بالمقسوم، ولو لم يكن فى القناعة خصلة تحمد إلا الراحة، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على أى حال من الأحوال.

«إن رضا الناس غاية لا تدرك» حكمة سمعناها ورددناها كثيرًا، وكلما طال بالإنسان العمر وخالط الناس، كلما أيقن بصدق وحقيقة هذه الحكمة.

فالناس تختلف مشاربهم وأفكارهم وأذواقهم وأهواؤهم وآراؤهم، فمن ذا الذى يستطيع أن يرضى الجميع؟

واعلم أنك إذا صدعت بقول الحق فأنت غليظ جسور، وإذا حافظت على صمتك فأنت متغطرس مغرور، وإذا زرتهم كل يوم فأنت صغير مذموم، وإذا قطعت زيارتهم فأنت القاطع الملوم، وإذا أبديت لهم نعمة حسدوك، وإن أخفيتها عنهم عاتبوك.

إن قلت قولًا حرفوا معانيه، وإن فعلت فعلًا أساؤوا الظن فيه، تبتسم يقولون ضعيف، تعبس يقولون عنيف، تقسو يقولون جبار.

وفى هذا يقول الإمام الشافعى رضى الله عنه:

ضحكتُ فقالوا: ألا تحتشم؟! بكيتُ فقالوا ألا تبتسم؟!

بسمتُ فقالوا يرائى بها عبستُ فقالوا بدا ما كتم

صمتُّ فقالوا كليل اللسان نطقتُ فقالوا كثير الكلم

حلمتُ فقالوا صنيع الجبان ولو كان مقتدرًا لانتقم

بسلتُ فقالوا: لطيشٍ به وما كان مجترئًا لو حكم

يقولون شذ إذا قلت: لا وإمعة حين وافقتهم

فأيقنت أنى مهما أرد رضى الناس لا بد من أن أذم

ولكى نصل للحل اسمع إلى باقى الحكمة:

«رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية لا تترك، فاترك ما لا يدرك وأدرك ما لا يترك».

إذًا لن تستطيع أن ترضى الناس جميعًا إلا أن تأخذ بهذه الوصفة العظيمة على لسان خير البشر ﷺ:

﴿ مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ أَرْضَاهُ اللهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ ﴾ مسند الشهاب.

وصدق الله تعالى إذ يقول:

﴿ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ التوبة 62.

فالتمس أيها العبد رضا الله تعالى فى كل ما تفعل وتقول، يجعل لك بين الناس الرضا والقبول.

واعلم أيها الحبيب أن الرضا يعنى سكون القلب إلى اختيار الرب، وهو قبول حكم الله فى السراء والضراء، واعلم أن ما قسمه الله لك هو الخير كله، فمن اتكل على حسن اختيار الله لم يتمنَّ غير ما اختار الله له.

وليس الرضا هو الاستسلام لواقع يمكن تغييره بالسعى والأخذ بالأسباب، كالتداوى من مرض أو السعى وراء الرزق أو دفع ضرر ما؛ لأن الاستسلام هو الانهزام وعدم بذل الجهد لتحقيق الهدف.

إنما الرضا هو بذل كل ما هو ممكن فى تحقيق الهدف، وإن لم توفق إليه فترضى بما قسمه الله لك، من غير جزع أو ضجر، كالذى تزوج ولم يرزق الولد رغم سعيه للعلاج، أو كالذى أصيب بمرض لم يستطع دفعه بالدواء، أو كالذى ابتلاه الله بالفقر وضيق ذات اليد فاجتهد فى تحصيل الغنى فلم يوفق مسعاه.

فهنا يأتى التحلى بصفة الرضا بما كتبه الله وقدره، فتحيل القلب إلى سرور دائم، وتشعر النفس بنعيم مقيم.

وقد عزى الإمام على كرم الله وجهه رجلًا مات ولده فقال:

﴿ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْثُومٌ ﴾ جمع الجوامع للحافظ السيوطى.

إن السخط والجزع وعدم الرضا على قضاء الله وقدره وبما قسمه للعباد لا يزيد المرء إلا شقاء وتعاسة.

وقال ﷺ:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ﴾ الحاكم فى المستدرك.

أو كما قال، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة تجابوا..

الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، وعلى آله وأصحابه أجمعين وعترته الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد..

فيا أحباب الحبيب المحبوب عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات..

قال تعالى فى مطلع سورة النساء:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾.

فإذا سلم الإنسان ورضى بقضاء الله صارت نفسه مطمئنة ودليلًا على محبته لله سبحانه، أما إذا تسخط وتشكى وتبرم وأظهر البلوى، فهذا دليل على عدم صدق محبته، وواقعه يشهد بضد ما يقوله.

فضعف الرضا بقضاء الله والصبر على حكمه نزغة توجد فى عموم الخلق تظهر عند ضعف إيمان الإنسان.

واعلم أن السنة التى تركها لنا المصطفى ﷺ أولها الرضا بقضاء الله والتسليم لأمره والصبر تحت حكمه، كما قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ الحديد 22.

إن جميع ما يصيب الإنسان فى الأرض أو فى النفس قد كتب من قبل، فالمصيبة فى الأرض كالجدب وقلة الأمطار والزلازل، وفى النفس كالمرض وفقد مال أو حبيب.

والكتاب الذى كتبت فيه المقادير هو «اللوح المحفوظ»، فقد قال ﷺ:

﴿ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ﴾ مسند أحمد.

وإذا سألت عن السعادة متى تسكن القلب؟ فاعلم أنها تسكنه إذا توفرت ثلاثة أشياء:

«عدم الحزن على ما فات، وعدم القلق على ما هو آت، والرضا بما قسم رب السماوات».

واعلم أن فى الشدة يقاس الصبر، وفى النقاش يقاس العقل، وفى المواقف يقاس البشر.

هنيئًا لعبد يحرص أن لا يظلم أو يغتاب أو يجرح أحدًا، بل لا يرى نفسه فوق أحد، فكلنا راحلون.

خذ من اليوم عبرة، ومن الأمس خبرة، فالدنيا مسألة حسابية: اطرح منها التعب والعنا، واجمع لها الحب والوفا، واترك الباقى لرب السما.

إذا سجدت فأخبره بأسرارك ولا تسمع من بجوارك، وناجيه بدمع عينك فهو للقلب مالك.

لا تقل من أين أبدأ، فطاعة الله البداية، ولا تقل أين طريقى، فشرع الله الهداية، ولا تقل أين نعيمى، فجنة الله الكفاية، ولا تقل غدًا سأبدأ، ربما تأتى النهاية.

أيها الحبيب..

عامل خلق الله بأصلك الأصيل ولا تعاملهم بأخلاقهم، فإنهم من معادن مختلفة:

وفرز النفوس كفرز الصخور ففيها النفيس وفيها الحجر

وبعض الأنام كبعض الشجر جميل القوام شحيح الثمر

وبعض الوعود كبعض الغيوم قوى الرعود شحيح المطر

وكم من كفيف بصير الفؤاد وكم من فؤاد كفيف البصر

وخير الكلام قليل الحروف كثير القطوف بليغ الأثر

وقال ﷺ:

﴿ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِى جَسَدِهِ، آمِنًا فِى سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ﴾ ابن حبان.

ولا تكن ممن قال فيهم المولى سبحانه:

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾ عبس 17.

أو قوله سبحانه:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ العاديات 6.

إن الله تعالى من كرمه أن أمر عباده بالدعاء، والدعاء هو: سؤال الله محض فضله.

ومعلوم أن الكريم هو من إذا سئل أعطى، أما الكرم الإلهى فلا ينتظر السائل بل يأمره بالطلب، ولا يعقل أن يأمر الله عباده بالطلب ثم لا يعطيهم ما طلبوا!! وهو أكرم الأكرمين.