وَمَنْ رَامَ الْعُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ أَضَاعَ الْعُمْرَ فِى طَلَبِ الْمُحَالِ
تَرُومُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا يَغُوصُ الْبَحْرَ مَنْ طَلَبَ اللَّآلِى
ولم تكن الغفلة غفلة عن الذكر فقط، فالغفلة تكون أيضًا عن العلم وتسمى جهلًا، وتكون فى الركون واهتمام المرء بصلاح نفسه فقط وتسمى أنانية، وبالمشاركة والجد تنتفى تلك الأخيرة.
وقبل البدء فى المشاركة يفتح أمامنا باب لا بد من الولوج من خلاله، ألا وهو باب «الإذن».
فالمشاركة فى أبواب الخدمة فى طريقة سيدى أبى العينين رضي الله عنه لا بد لها من «إذن» صاحبها، وهو الشيخ رضي الله عنه.
فليس المعنى من فتح حضرة أو إلقاء درس أو نشر كتاب أو أى مطبوعات تخص الطريقة عبر أى وسيلة من الوسائل، أو القيام بأى أمر من أمور الطريقة دون إذن، أن هذه هى المشاركة المرجوة.
فبالإذن تنتظم الأمور، فلا تتعارض مجالات الخدمة للأحباب فيما بينهم، ولا يكون هناك سبيل لضياع الجهد والوقت بتكرار نوع الخدمة من أشخاص كثيرة، وغيرها من الأشياء المفيدة للمرء والطريقة.
ورد فى الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام مرض واشتد وجع بطنه، فشكا إلى الله تعالى، فدله على عشب فى مغارة، فأكله فعوفى بإذن الله.
ثم عاوده ذلك المرض فى وقت آخر، فأكل ذلك العشب فازداد مرضه، فكلم ربه فقال:
يا رب، أكلته أولًا فانتفعت به، وأكلته ثانيًا فضرنى.
فقال له عز وجل:
لأنك فى المرة الأولى ذهبت منى إلى الكلأ فحصل لك الشفاء، وفى المرة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ، أما علمت أن الدنيا سم قاتل وترياقها اسمى؟
تذكروا أيها الأحباب دائمًا قول مولانا العظيم:
﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ﴾.
يقول الإمام البيضاوى فى تفسير هذه الآية:
﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أى بتيسيره، وأطلق له من حيث إنه من أسبابه، وقيد به الدعوة إيذانًا بأنه أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه.
فإذا كان أحب خلق الله انتظر الإذن من مولاه بالقول قبل الفعل، أفلا تكونوا أحرى بأنفسكم بأن تنتظروا الإذن قبل التصرف، ولا تطلقوا لأنفسكم العنان.
ولقد قيل فى زفرة سبقت:
ليس كل ما يرى يصور، ولا كل ما يصور ينشر، ولا كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يقال حضر أهله، ولا كل من حضر أهله جاء أوانه، فالرحمة الرحماء بأنفسكم وبإخوانكم، ومن ستر مسلمًا ستره الله.
وحديث خير الخلق كلهم:
﴿ الصَّمْتُ حُكْمٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ ﴾.
وذكرنا أن الصحابى الجليل سيدنا أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقول:
تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم.
الجمع الكريم..
عندما أشار أهل الله إلى أن النجاح درجة تنالها فى النهايات، فيتم لك المراد وتبلغ القصد منه، ولا يتأتى النجاح إلا بالرجوع إلى الله فى بداية الطلب بتوجه صادق، والانسلاخ من الحول والطول المستعار إلى حول الله ذى الطول والعلى المنان، فتحصل لك المنة وتبلغ المرام.
وعن بلوغ القصد قال سيدى الإمام فخر الدين رضي الله عنه:
وَعِنْدَ بُلُوغِ الْقَصْدِ بِاللَّهِ مِنَّةََ أَتَيْتُ بِأَحْكَامِى وَتَمَّتْ مَنَاسِكِى
وبلوغ القصد ونجاحه فى أمرين:
الأول: الطاعة، كما قال رضي الله عنه:
فَطَاعَةُ إِبْرَاهِيمَ إِنْ رُمْتُمُ الْهُدَى كَمَالُ عَطَائِى بَلْ نَجَاحُ الْمَقَاصِدِ
والثانى: صدق التوجه والإخلاص فيه، المعبر عنه بـ«فض التشارك»، كما قال رضي الله عنه:
وَلَيْسَ بُلُوغُ الْقَصْدِ مَا قَدْ تَرَوْنَهُ فَإِنَّ بُلُوغَ الْقَصْدِ فَضُّ التَّشَارُكِ
أبنائى وبناتى..
إن للشباب دورًا هامًّا فى رفعة الأمم ونهضتها وازدهارها.
وكان أبو إسحاق يقول:
يا معشر الشباب اغتنموا، يعنى شبابكم وقوتكم.
فمن الوجوه الأولى بأن تصرفوا تلك القوة فيها: العمل النافع، وطلب العلم، والمداومة على الذكر، والتعرض لأبواب الخدمة من خلال قنواتها الشرعية، للمشاركة فى الفضل، والتأسي بأخلاق الحبيب المصطفى ﷺ.
وعن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم:
«مَرْحَبًا بِيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ، وَمَصَابِيحِ الظُّلَمِ، خِلْقَانِ الثِّيَابِ، جُدُدِ الْقُلُوبِ، حُلُسِ الْبُيُوتِ، رَيْحَانِ كُلِّ قَبِيلَةٍ».
ومن حسن الطالع أن تتواءم حولية الإمامين الجليلين وشهر رمضان المعظم.
وكثيرًا ما تتساءل الناس عن العلة من فرض الصيام، ونرى البعض يقول:
إن الناس تتفاوت بين غنى وفقير.
ولما كان مفهوم الفقر عند الناس هو قلة المال، نجد سيد الخلق ﷺ يعرفنا مفهومًا آخر للفقر يغفل عنه الكثيرون.
وهذا ما ورد فى الحديث الشريف عن سيدنا أبى ذر رضي الله عنه قال:
قال لى رسول الله ﷺ:
يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟
قلت: نعم يا رسول الله.
قال رسول الله ﷺ:
فترى قلة المال هو الفقر؟
قلت: نعم يا رسول الله.
قال رسول الله ﷺ:
«إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب» الحاكم فى المستدرك.
وشتان بين هذا وذاك.
وأوضح لنا الإمام فخر الدين رضي الله عنه سبب الصيام حين قال:
وَاللَّهُ قَدْ كَتَبَ الصِّيَامَ بِفَضْلِهِ كَىْ لَا تَضِيقَ الرُّوحُ بِالْأَبْدَانِ
فكثافة الجسد تطغى على الروح، فتضيق به لشدة لطافتها، وفى الصيام اتساع لمعُون الروح.
واختار الحكماء أربع كلمات فى أربعة كتب:
فمن التوراة: «من قنع شبع».
وفى الزبور: «من سكت سلم».
ومن الإنجيل: «من اعتزل نجا».
ومن القرآن العظيم:
﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ آل عمران ١٠١.
ولم يكن الاعتزال بمعنى العزلة، ولكن بالحضور بالقلب مع الرب، والمخالطة للخلق بغير التفات.
وأمر الحق سبحانه الاعتصام بشرط الجماعة فقال تبارك وتعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ آل عمران ١٠٣.
وما أكثر ما قاله الإمام فخر الدين رضي الله عنه فى ضرورة الاجتماع وعدم الفرقة، فالاجتماع للمريد سبب الوصال، ولكن شرطه بالمحبة:
إِذَا اجْتَمَعْتُمْ عَلَى حُبٍّ وَمَرْحَمَةٍ فَأَيْقِنُوا الْوَصْلَ إِنَّ اللَّهَ مُعْطِينِى
الجمع الكريم..
عود على بدء..
فمن أوجه الصلات صلة العبد بربه، وهى صنفان:
صلة شرعية ظاهرية، تتجلى فى المحافظة على الصلوات، كما قال المولى العظيم:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾ البقرة ٢٣٨.
ومن أراد أن يسمع كلام المولى العظيم فعليه بالقرآن.
أما الصنف الآخر، وهو ما عنیه ساداتنا الصوفية رضوان الله عليهم أجمعين، فهى تكون خارج المسجد، والمعنى بها إقامة الصلاة.
فرفعوها شعارًا لهم أينما حلوا، فكانت ظواهرهم مثل بواطنهم، وهذه صلاة القلوب.
وإقامة الصلاة للمؤمنين إنما هى إقامة الدين، وتتجلى فى جميع معاملاتهم مع سائر الخلق، مسلم وغير مسلم.
كما أوصانا ﷺ بالجار، ولم يقيد ديانة الجار، سواء كان مسلمًا أم غير ذلك، فقال ﷺ:
﴿ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ﴾ مسند أحمد.
فالإقامة إنما هى إقامة ما أملاه عليك الحق سبحانه وتعالى بواسطة الرسول الكريم ﷺ، من اتباع الأوامر والمعاملات الحسنة، من الرحمة بالضعيف وتوقير الكبير وغير ذلك.
وعليه فقد وصفه العلماء بأنه ﷺ كان قرآنًا يمشى على الأرض، استنادًا لوصف أم المؤمنين السيدة عائشة رضوان الله تعالى عليها لحضرته ﷺ، فتقول:
﴿ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ﴾ مسند أحمد.
وكما قيل فى زفرة سبقت:
﴿ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ﴾ تمام فى فوائده.
وينجلى هنا مراتب العبيد واختلاف درجاتهم:
فمنهم عبيد الذات، وعبيد الأسماء والصفات.
وقال عنهم سيدى الإمام فخر الدين رضي الله عنه:
سَعْدًا لِعَبْدِ الذَّاتِ مَعَ أَسْمَائِهِ سَعْدًا لِعَبْدِ الْوَصْفِ بِالرِّضْوَانِ
فنجد عامة الناس قد اتبعوا أقواله ﷺ، والخاصة اتبعوا أعماله ﷺ وقلدوها، وخاصة الخاصة قلدوا أخلاقه ﷺ، وخاصة خاصة الخواص هم نوابه ﷺ.
وعلى كل حال لا خير إلا فى اتباع سبيله ﷺ.
والصلة بسيدنا رسول الله ﷺ تكون على وجهين:
الأول: بالصلاة عليه ﷺ؛ فمن أراد جبرًا لسائر أعماله فعليه بالصلاة على الحبيب ﷺ.
والثانى: بمودته ﷺ.
وهناك نوع آخر من الصلة، وهو صحبة العلماء المحققين والكمل من العارفين، ففى صحبتهم تأتى إلى المرء جميع أبواب الخير والمسرات، وتغلق عنه أبواب النوازل والمضرات.
وقال عنهم الإمام فخر الدين رضي الله عنه:
رَسُولُ اللَّهِ هُمْ أُولَاءِ قَوْمِى أَحِبَّائِى فَأَنْعِمْ بِالصِّلَاتِ
وأعظم هذه الأبواب هو الميناء الأعظم، سيدنا ومولانا الإمام الحسين رضي الله عنه، فهو باب المصطفى ﷺ بنص الحديث:
﴿ حُسَيْنٌ مِنِّى، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ ﴾ سنن ابن ماجه.
وقال عنه الإمام فخر الدين رضي الله عنه:
بَابُ الدُّخُولِ إِلَى الْحَبِيبِ مُؤَكَّدٌ باب الْإِمَامِ وَنِعْمَ بَابُ الدَّانِى
فحقًّا..
فَإِنَّمَا الْوَصْلُ مِنْ كَفَّيْكَ مَأْمَلُنَا وَمَا لِغَيْرِكَ يَا نَبْعَ الصَّفیات
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكل عام وأنتم بخير.
مولانا الامام الشیخ محمد الشیخ ابراھیم الشیخ محمد عثمان عبدہ البرھانی ۔رضی اللہ عنہ۔