خطاب2022
فضيلة مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه
فَإِنَّمَا الْوَصْلُ مِنْ كَفَّيْكَ مَأْمَلُنَا
حولية الإمامين الجليلين رضي الله عنهما الخميس ٦ رمضان ١٤٤٣هـ الموافق ٧ أبريل ٢٠٢٢م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين.. غاية سؤل السائلين.. والصلاة والسلام على أفضل المرسلين.. وشعاع شمس الواصلين.. ونقطة البدء والتمكين.. المذكور فى صحاف الأولين.. تاج على رؤوس العارفين.. وراية كل المحبين.. وأثنى صلاة على أول خبير بدروب السالكين.. وعلى أقرانه الغر الميامين.. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
الأحباب الكرام..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير..
أعاد الله علينا هذه الأيام المباركات بالخير واليمن والنفحات..
يقول المولى العظيم بين دفتى الكتاب المبين:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾ البقرة ٢٣٨.
اعلموا أن الوصل والصلة وجوه للصلاة، فالصلاة صلة بين العبد وربه، فإذا أحسن العبد صلته بربه، أحسن الرب صلاة العبد وصلته بالله.. وأحسن وصله بسائر خلقه.
فينبغى للفقير المحافظة على صلواته وأمور الشريعة والاستقامة عليها والمداومة على أوراده، فتكون له بابًا للدخول إلى صلاة القلوب، فلا تنسيه أبواب الخدمة فى شتى مجالاتها من إرشاد أو إنشاد وغيرها ذلك الأمر.
وليتأمل الفقير قول الحق تبارك وتعالى فى صفة المنافقين:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ النساء ١٤٢.
وفى السلسلة المباركة «علموا عنى» قال سيدى الإمام فخر الدين رضي الله تعالى عنه أن الناس يلتجئون لأهل الذكر تبرئة لهم من النفاق، فقال:
وَقَدْ أَتَانَا لِأَهْلِ الذِّكْرِ تَبْرِئَةٌ مِنَ النِّفَاقِ فَيَا شُبْهًا لِشَكَّاكِ
فكيف الأمر بالفقير أن يدعى أنه على الأمر من شىء وهو يؤخر صلاته كسلًا أو بدعوى أن لديه خدمة يقوم بها!!
ومن أوائل وصايا سيدى الإمام فخر الدين رضي الله عنه فى قصيدته التائية:
وَلَا تَكُ عَبْدًا ذَا قَضَاءِ الْفَوَائِتِ
وقال أيضًا:
وَلَا تَكُ فِى جَنْبِ الْإِلَهِ مُفَرِّطًا
ولنتأمل قول الحق تعالى فى محكم التنزيل:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ المؤمنون ٩.
قال أهل التفسير فى كلمة ﴿ يُحَافِظُونَ ﴾ إنها تعنى إقامتها فى أوقاتها، فتعَلُّل الفقير عن أداء هذا الأمر ليس له نسبة من الفقر شيئًا.
وقد جمع المولى العظيم فى الصلاة فضائل الأمم السابقة، بل وفرضها بينه وبين حبيبه ﷺ فى الملأ الأعلى فى مقام لا يقوى عليه التبيان.
ويقول الإمام ابن عجيبة رضي الله عنه:
﴿ وَأَقِيمُوا ﴾ صلاة القلوب بالخضوع تحت مجارى الأقدار، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ أمنحكم معونتى ونصرى، وأفيض عليكم من بحر إحسانى وبرّى، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى.
ويقول سيدى الإمام فخر الدين رضي الله عنه:
وتحيات الصلاة بين ربنا وحبيبه ومصطفاه ﷺ فى الرفرف، ورؤيته ﷺ للحق تترك فى عين صاحب الرؤية أثر.
وفى ذلك يقول الإمام أبى نعيم رضي الله عنه فى حلية الأولياء:
إن لله خواصًّا من عباده، لو حجبهم فى الجنة عن رؤيته لاستغاثوا بالخروج من الجنة كما يستغيث أهل النار بالخروج من النار.
فلِمَ لا يكون «منانا» طلب «العلا» وهى جنة المشاهدة الإلهية، ومن لم يطلب العلا بحقيقة الصلاة وأسرارها فهو واهم، ولا بد له من ولى يرشده لقوله:
﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾ الكهف ١٧.
وها هو العارف بالله الولى المرشد الإمام فخر الدين رضي الله عنه يفصح لنا عن حقيقة الصلاة، فيسمى الفاتحة بـ«أم الصلاة» فيقول:
إِذِ النَّاسُ فِى أُمِّ الصَّلَاةِ۔
ونحن نعلم أن الفاتحة «أم الكتاب»، ولكن يفصح لنا الإمام عن سر ومسمى جديد للفاتحة، وهو «أم الصلاة»، والتى لا تصح الصلاة إلا بها.
فعندما قال: «اركب معى»، أى لا يمنعك عنه مانع، مهما تكاثرت عليك الموانع، فكانت «العزيمة» سفينة الربان، لتبدأ رحلة «الوصل» بين جبال الأمواج، فتجرى بعين الله حتى ترسو على «الجودى»، فحقًّا ليس أهل الفضل كالمتفضلين.
أيها الأحباب..
يقول المولى العظيم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ الحجرات ١٢.
وقال ﷺ:
﴿ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ﴾ مسلم.
ويقول الإمام الشافعى رضي الله عنه:
من أحب أن يختم له بخير فليحسن الظن بالناس.
وقال سيدى الرفاعى رضي الله عنه:
مادام أحدكم يسىء الظن بأحد من الخلق فهو دليل على نجاسة باطنه.
وقال سيدى إبراهيم الدسوقى رضي الله عنه:
لا تنكروا على أحد حاله ولا لباسه ولا طعامه ولا شرابه ولا على أى حالة كان، إلا إن ارتكب محظورًا صرحت به الشريعة.
وقال سيدى أبو الحسن الشاذلى رضي الله عنه:
إذا امتلأ القلب بأنوار الله تعالى عميت بصيرته عن المذام والمناقص المقيدة فى عباده المؤمنين.
فيما يروى:
جاء شخص إلى أبى نصر بشر الحافى رضي الله عنه فقال له:
ما عدت أعتقد فى فلان أبدًا.
فقال له: لماذا؟
فقال: قال لى: أنت عبد عبدى.
فقال: لعلك يا أخى مطيع للهوى، والهوى عبد للرجل الصالح، فأنت عبد عبده من هذا الباب، ومقصوده بذلك تنبيهك إلى مخالفة الهوى.
وجاءه شخص أيضًا فقال له:
أنا لا أعتقد فى فلان فإنه كافر.
فقال: وما بدا لك من كفره؟
فقال: سمعته يقول إن الإكثار من ذكر النبى ﷺ حجاب.
فقال له: هو قول صحيح، الإكثار من ذكر النبى ﷺ حجاب من الشيطان وحجاب من النار.
ووقع مذاكرة بحضرته عن السلف الصالح فى نصحهم فى تربية المريدين، فقال شخص:
إن فلانًا لم يك من الناصحين فى تربية المريدين.
فقال: لأى شىء؟
فقال: إنه لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يعلمهم آداب الطريق.
فقال له:
استغفر من سوء ظنك، فإن الكُمَّل من المشايخ يربون بالنظر.
وقال صاحب الحكم:
من أراد أن يعرف صدق شيخ من كذبه فليذكر عنده أحدًا بسوء، فإن حمل المذكور على محمل حسن فهو صادق يقتدى به، وإن خاض فهو كاذب لا يقتدى به.
وقال أحدهم:
من ظن أن نفسه خير من نفس فرعون فقد أظهر الكبر.
وقال الشيخ أبو المواهب الشاذلى رضي الله عنه:
لما علم أهل الله تعالى أن كل نبات لا يثمر وينبت إلا بجعله تحت الأرض تعلوه الأرجل، جعلوا نفوسهم أرضًا للكل ليعطيهم ما أعطى أولياءه وأصفياءه.
وقال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه:
إذا بلغك عن أخيك ما تكرهه فاطلب له من العذر واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن لم تجده فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.
وقال الشيخ السرى السقطى رضي الله عنه:
من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيوب نفسه واطلاعه على عيوب الناس.
وقال الشيخ داود بن باخلا، شيخ سيدى محمد وفا رضي الله عنه:
إذا لم يكن ابن آدم عمالًا فى مصالح الدنيا والآخرة فهو كالجماد فى ذلك الوقت، وإن اشتغل بالمعصية أو الشر فهو كالشيطان، وإن اشتغل بأمر الدنيا لا الآخرة فهو كالحيوان، وإن اشتغل بفكره فيما هو لله تعالى فهو كالملك، فانظر درجة من تريد أن تلحق؟
ونختم بقوله ﷺ:
﴿ لَوْ عَيَّرَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ بِرَضَاعِ كَلْبَةٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرْضَعَ مِنْ تِلْكَ الْكَلْبَةِ ﴾ صاحب كنز العمال.
أيها المريد..
اعلم أن من نقل إليك فقد نقل عنك، لا تقبل الخير من كذاب وإن أتى بحديث عجاب، تعلموا العلم للأديان، والنحو للسان، والطب للأبدان، ومن وعظك فقد أيقظك، ومن بصرك فقد نصرك.
واعلم أن حسن الخلق يوجب المودة، وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والكبر يوجب المقت، والجود يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمة.
والناس طالبان: طالب ومطلوب، فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى رزقه منها.
فالدنيا عسل مشوب بسم، وفرح موصول بغم، فلا تغرنك زهرتها، ولا تفتننك زينتها، فإنها سلابة للنعم، أكالة للأمم.
فإذا جهلت فاسأل، وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم، وإذا غضبت فاحلم.
ومن طلب العز فعليه بالطاعة، ومن طلب الغنى فعليه بالقناعة، ونور المؤمن فى قيام الليل.
ومن وصايا باب مدينة علم رسول الله ﷺ، الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه لابنه سيدنا الحسن رضي الله عنه:
يا بنى، أوصيك بتقوى الله عز وجل فى الغيب والشهادة، وكلمة الحق فى الرضا والغضب، والقصد فى الفقر والغنى، والعدل على الصديق والعدو، والعمل فى النشاط والكسل، والرضا عن الله عز وجل فى الشدة والرخاء.
واعلم يا بنى أن من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضى بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغى قتل به، ومن حفر لأخيه بئرًا وقع فيها، ومن نسى خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن سلك مسالك السوء اتهم، ومن خالط الأنذال حقر، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شىء عرف به.
ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار.
يا بنى، من أكثر ذكر الموت رضى من الدنيا باليسير.
يا بنى، العافية عشرة أجزاء؛ تسعة منها فى الصمت إلا بذكر الله، وواحدة فى ترك مجالسة السفهاء.
ومن تزين بمعاصى الله فى المجالس أورثه الله ذلًّا.
يا بنى، من كنز الإيمان الصبر على المصائب.
وإياك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.
وإياك ومصادقة الكذاب، فإنه يقرب البعيد ويبعد عنك القريب.
يا بنى، كم نظرة جلبت حسرة، وكم كلمة سلبت نعمة.
لا شرف أعلى من الإسلام، ولا لباس أجمل من العافية.
يا بنى، التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، ولا تؤيسن مذنبًا على ذنبه، فكم عاكف على ذنب ختم له بالخير، وكم مقبل على عمله أفسده فى آخر عمره فصار إلى النار.
وقال كرم الله وجهه:
ما أقرب الراحة من النصب، والبؤس من النعيم، والموت من الحياة.
الأحباب الكرام..
إن مفهوم الأنانية له وجوه عدة، وبدا منه ما بدا عند ظهور سيدنا آدم عليه السلام فى الملأ الأعلى، حين أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لسيدنا (آدم) عليه السلام، فما كان من إبليس اللعين إلا أن ظهرت أنانيته، وقدم نفسه على سيدنا (آدم ) عليه السلام بالخيرية.
ومن هنا ظهرت الأنانية بصورتها الذميمة، وتقديم النفس فى هذا الموطن يكون لخير يراه المرء عائدًا عليه أو أفضليته عنده وليس فى غيره.
والفقير الذى يتقدم ليأخذ حظًّا أكثر من صاحبه، أين هو من قول الحق تعالى:
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ الحشر ٩؟
فلا بد من التأسي بصحابة خير الخلق ﷺ ورضوان الله عليهم.
ومن وجه آخر غير محمود للأنانية، نرى الركون وعدم المشاركة فى الفضل، ولم تبن الأمم والحضارات وتزدهر بالأمنيات، وإنما بالكد والجهد، ولله در الإمام الشافعى رضي الله عنه:
بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِى وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهِرَ اللَّيَالِى