خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 45

﴿ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ﴾.

ففى الحديث الأول حث الأمة على محبته ومحبة أربع: الإمام على، وزوجه البتول بنت رسول الله، وابناهما الحسنين.

وذلك لأن الخلافة لم ولن تخرج عنهم، فكأنه ﷺ يريد أن يقول إن الهداية فى طاعته وطاعة الخلفاء الراشدين.

وفى الحديث الثانى أوضح بأن كل ما هو بعيد عن الخليفة محدثات أمور وبدع وضلال، فيا ليت مستمع الحديث يجيبنى.

أيها الأحباب الكرام...

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ ﴾ النساء ٨٣.

وخلاصة تعليق الإمام ابن عجيبة رضى الله عنه:

قلوب الأحرار قبور الأسرار.

ومن الخصال التى ذمها الله وتوجد فى كثير من العوام: مهما سمعوا خبرًا، خيرًا أو شرًّا، بادروا بإفشائه، ولا سيما إذا سمعوا على أهل الخصوصية.

وقد توجد فى بعض الفقراء، وهى غفلة ونوع من الفضول.

والفقير الذى يستمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له فى الفقر إلا اسم بلا مسمى.

وقد ترى بعض الفقراء يبلغ مساوئ أقرانه فى الطريق إلى المشايخ، وقال ﷺ:

﴿ لَا تُبَلِّغُونِى مَسَاوِئَ أَصْحَابِى ﴾.

وَإِنْ أُودِعُوا سِرًّا رَأَيْتَ صُدُورَهُمْ

قُبُورًا لِأَسْرَارٍ تَنَزَّهَ عَنْ نَقْلِ

ويقول المولى العظيم:

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ يونس ٥٨.

ففضل الله إيصال إحسانه إليك، ومن إحسانه هدايته لرؤيته.

وقول الإمام سيدى فخر الدين رضى الله عنه:

فَأَنَا بِفَضْلِ اللَّهِ

يعلمنا جذور دعائم التصوف، الذى هو لب الدين، ألا وهو أن ينسب كل منا الفضل لصاحب الفضل.

فمع عظمة قدره رضى الله عنه لم ينسب الفضل لنفسه أو اجتهاده أو أعماله، ولكنه رضى الله عنه نسب الفضل لحضرة المعصوم ﷺ، فقال:

«فَأَنَا بِفَضْلِ اللَّهِ».

فبفضله ﷺ أصبحت فى «أَعْلَا الْعُلَا»، وصارت طريقته (البرهانية)، التى نالت مكانتها بصاحبها فى (أعلا العلا)، تحت سماء (الدسوقية) للقطب الدسوقى أبى العينين.

يظلها عرش (الشاذلية)، الذى دعا فى سماء التجلى (بألا يكتمل لولى حتى يتشذّل)، ليظل لواؤها معقود إلى حضرة أرباب الشهود.

كما أوصانا رضى الله عنه أن نمسك عن المكانات والمنازل، إلا أن جبل أحد شهد بإظهار وميض نور من مكانته ﷺ، حين شجوا رباعيته.

ومن كرمه وحسن خلقه دعا لهم قائلًا:

﴿ اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِى فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾.

أى لا يعلمون مكانته ﷺ.

فالمكانات تتدرج بحسب مواطنها؛ (فالعلم )خصته المعرفة، و(الذكر) خصته اجتهاد ومداومة.

ويرتبط به (العلم) ارتباطًا وثيقًا، كما قال سيدى أبو العينين:

«فَالْعِلْمُ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفَكُّ مُقْتَرِنًا».

ممتطيًا سفينة (الشريعة) كى يلج بحر (الطريقة)، للوصول إلى (الحقيقة )لمطالعة الشهود، كى يعود ربانها بنعمة إرشاد السالكين لطريق رب العالمين:

وَتَكَتَّمْتُ أَمْرَهُ فَهَدَانِى رَشَدًا

وَاصْطُفِيتُ بِالْإِرْشَادِ

فيسود قومه بإرشاده لهم، فحقًّا:

﴿ سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ ﴾ الحافظ السيوطى فى جامع الأحاديث.

لأن خير الناس أنفعهم للناس.

فَلَيْتَكُمْ تَعْلَمُوا أَنَّا لَهُ خَدَمٌ

وَقَدْ حُبِّينَا أُخُوَّتَنَا بِخِدْمَتِنَا

وبعدها نصطفى، هذى بدايتنا، حتى إنها منازل قدرت للذكر أجمعه.

فإذا كانت هذه البدايات، فما بالكم بالنهايات؟

لذا حذرنا وقال رضى الله عنه:

وَعَنْ مَنَازِلِنَا أَمْسِكْ فَإِنَّ لَهَا

صَحَائِفٌ أُودِعَتْ أَيْدِى أَئِمَّتِنَا

ومن حسن الطالع أن تتواءم حولية الإمامين الجليلين هذا العام وعدة مناسبات:

فحولية الإمامين هذا العام توافق ٢٦ شعبان، وهو نفس تاريخ انتقال سيدى كمال الدين، مولاى الشيخ إبراهيم، ٢٦ شعبان.

ويتوافق معها الليلة الختامية لشيخنا القطب الدسوقى ٢٦ شعبان.

وفى نفس شهر شعبان، وبالتحديد ليلة الشك، مولده الحقيقى.

ليس هذا فحسب، بل تتوافق أيضًا أرقام العام الهجرى:

الذى انتقل فيه الإمام كمال الدين رضى الله عنه ١٤٢٤، وعامنا هذا ١٤٤٢.

وكذلك أرقام العام الميلادى فى مجموعها: ٢٠٠٣، وعامنا هذا ٢٠٢١.

وكأنَّا بقول الإمام فخر الدين رضى الله عنه فى مثل هذا اليوم (الأربعا) منذ ٣٤ عامًا، البيت رقم ٢٤:

وَفِى شَعْبَانَ تَمَّ الْقَوْلُ فِيهَا

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِى مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ الإسراء ٨٠.

فحقًّا منزل صدق قد نزلتم أيها الأئمة الكرام، وحقًّا كان الرضوان أسمى المقاعد لكم وبكم.

فَأَنَا بِفَضْلِ اللهِ فِى أَعْلَا الْعُلَا

وَيَدِى بِهِ فِيهِ إِلَيْهِ تُشِيرُ

فاللهم اجعلها بداية خير لطريقنا للعالم أجمع، ورضى الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين.

وكل عام وأنتم بخير.

وَصَلَّى اللهُ فِى بَدْءٍ وَخَتْمٍ

عَلَى عَبْدٍ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَثْنَى

[http://www.burhaniya.org](http://www.burhaniya.org)

مولانا الامام الشیخ محمد الشیخ ابراھیم الشیخ محمد عثمان عبدہ البرھانی ۔رضی اللہ عنہ۔