خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 44

وقد قيل: الذكر الكثير ألا تنساه أبدًا، إن ذكر الله هى العبادة الوحيدة السهلة اليسيرة.

والمراد ذكر القلوب؛ لأن الذكر الذى يمكن استدامته هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد، وأما ذكر اللسان فإن إدامته كالمتعذر.

والإشارة فيه: أحبوا الله، لقوله ﷺ:

﴿ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ ﴾.

ولا ينس الله بعد ذكر الله؛ لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم فى الدخول إلى حضرته.

فالذكر هو العبادة الوحيدة التى طالبنا المولى فيها بالكثرة، فقال:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ الأحزاب ٢١.

وقال أيضًا:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾.

وقال سيدنا عبد الله بن العباس رضى الله عنهما:

لم يعذر أحد فى ترك ذكر الله عز وجل إلا من غلب على عقله.

وقد قال ﷺ:

﴿ أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ ﴾ الإمام أحمد فى المسند والحاكم فى المستدرك.

وقال ﷺ:

﴿ يَقُولُ اللَّهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِى يَوْمًا أَوْ خَافَنِى فِى مَقَامٍ ﴾ الترمذى فى السنن والحاكم فى المستدرك.

وجاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ وقال:

﴿ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَىَّ، فَأَنْبِئْنِى بِشَىْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. فَقَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ الإمام أحمد فى المسند والحاكم فى المستدرك.

وعن فضل الذكر فى جماعة وعجائب حلق الذكر، يخبرنا رسول الله ﷺ فى الحديث القدسى:

﴿ أُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. فَيَقُولُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ﴾ البخارى فى الصحيح.

فالمولى يخبرنا بأن من يجالسهم دون المشاركة يغفر له، فما بالكم بالذاكرين.

وقال ﷺ:

﴿ يَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ مَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ. فَقِيلَ: مَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِى الْمَسَاجِدِ ﴾ ابن حبان فى الصحيح.

ويقول الإمام فخر الدين رضى الله عنه:

الذكر هو ترديد اسم المحبوب دون طلب لمنفعة أو دفع لمضرة.

وذلك قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ الأنعام ٩١.

وقوله:

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴾ المزمل ٨.

ولا يصل الذكر للكثرة إلا فى حالة وصول الذكر للقلب؛ لأنه أول مراحل الكثرة.

فكما أن اللسان ترجمان القلب، فالقلب لسان حال الروح، فيكون بداية الذكر باللسان، أعلى منه بالقلب، أعلى منه بالروح.

وَلْتَعْمُرُوا الْأَوْقَاتَ بِالذِّكْرِ الَّذِى

يَشْفِى الصُّدُورَ فَتَصْطَلِى بِغَرَامِى

أحبائى فى الله...

يقول المولى الكريم:

﴿ فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ الأعراف ١٤٤.

ما أعجب ما ذكره الإمام الثعلبى فى تفسيره، أن المولى سبحانه قال لسيدنا موسى عليه السلام:

«فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين بجدٍّ ومحافظةٍ، وأن تموت على حب محمد ﷺ».

جمع الله الأحباب داخل مكنون كنز المحبة، التى هى الغاية القصوى من المقامات، وأعلا العلا فى الدرجات.

فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، ولا قبلها مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها.

فالمحبة حبة بُذرت فى أرض القلوب، وارتوت بماء التوبة من الذنوب، وتأصلت جذورها بطاعة الحبيب المحبوب ﷺ، الذى قال:

﴿ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ البخارى فى الصحيح.

وكما قال ﷺ:

﴿ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِى اللَّهِ ﴾ سنن أبى داود.

ويقول المولى الكريم:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ آل عمران ٩٢.

أى لن تنالوا محبتى وفى قلوبكم محبة غيرى.

فالحب مقام إلهى وصف المولى به نفسه، وتسمى بالودود، وقال تعالى لنبيه ﷺ:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ آل عمران ٣١.

فالمحبة آية الاختصاص، ونتيجة الصفاء والإخلاص.

وفى قوله تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ المائدة ٥٤.

فيخلصه الله من زيغ البصر والتلفت فى النظر.

وتمخضت المحبة لتلد لنا نعمة الإيثار، ولقد قالوا:

«كل ما فى كل شىء منك يا جد الحسين».

فإذا وضعت نصب عينيك بأن الأصل فى الخلق هو الحبيب المحبوب ﷺ، وأنه أصل لكل شىء تبدى، فلن تبغض أحدًا على الإطلاق، حيث إنه جزء من الحبيب.

وإذا ترجمنا هذه الأقوال بيننا، يعم الصفاء وتتفتح لنا أبواب كنوز المحبة؛ فحقًّا الحب كنز والصفا مفتاح.

فالمحبة هى إيثار المحبوب على جميع المصحوب، فهل رأيت إيثارًا كإيثار السيدة زليخة لما تناهت فى أمرها، قالت:

﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ يوسف ٥١.

فنادت على نفسها بالخيانة، وهيهات هيهات من يفعل ذلك.

فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَعِيدًا فَمُتْ بِهِ

شَهِيدًا وَإِلَّا فَالْغَرَامُ لَهُ أَهْلُ

وعندما خرج أهل الكهف تبعهم كلبهم، فطردوه مرارًا فلم يرجع، فلزم صحبتهم وأحبهم، فصار ذكره فى القرآن إلى يوم الفرقان.

وأوحى الله تعالى إلى سيدنا موسى عليه السلام:

هل عملت لى عملًا؟

قال: صليت وصمت وتصدقت وسبحت وقرأت.

فقال: الصلاة لك نور، والصوم لك جنة، والصدقة لك ظل، والتسبيح لك أشجار، والقراءة لك جواز؛ فأين الذى عملته لأجلى؟

قال: دلنى عليه.

قال: هل واليت لى وليًّا أو عاديت لى عدوًّا؟

فعلم سيدنا موسى عليه السلام أن أفضل الأعمال الحب فى الله.

وسيدنا ثوبان رضى الله عنه، مولى رسول الله ﷺ، كان شديد الحب للنبى ﷺ قليل الصبر عنه.

وقد جاء يومًا وقد تغير لونه ونحل جسمه، فسأله ﷺ، فقال:

يا نبى الله، ما بى من وجع، ولكنى ذكرت الآخرة، وقد مضى يومًا لم أرك فيه، فاشتقت إليك، فكيف حالى فى الآخرة؟

إن دخلت الجنة أكون مع العبيد وأنت مع الأنبياء، فلا أراك أبدًا، وأنا لا أصبر عنك.

فأنزل الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ النساء ٦٩.

فانظروا نتيجة المحبة المقرونة بالطاعة.

ولما سئلت السيدة رابعة العدوية رضى الله عنها: ما حقيقة إيمانك؟

قالت:

ما عبدته خوفًا من ناره ولا حبًّا لجنته، فأكون كأجير السوء، بل عبدته حبًّا له وشوقًا إليه.

ثم أنشدت:

أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ حُبَّ الْهَوَى

وَحُبًّا لِأَنَّكَ أَهْلٌ لِذَاكَ

فَأَمَّا الَّذِى هُوَ حُبُّ الْهَوَى

فَشُغْلِى بِذِكْرِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ

وَأَمَّا الَّذِى أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ

فَكَشْفُكَ لِىَ الْحُجْبَ حَتَّى أَرَاكَ

فَلَا الْحَمْدُ فِى ذَا وَلَا ذَاكَ لِى

وَلَكِنْ لَكَ الْحَمْدُ فِى ذَا وَذَاكَ

والمولى تبارك وتعالى قال له ﷺ فى ليلة المعراج:

﴿ لَوْلَاكَ لَمَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ ﴾.

انظر تفسير النيسابورى، وروح البيان لحقى، والبحر المديد للإمام ابن عجيبة.

فعلم بذلك أن سيدنا محمدًا ﷺ هو المقصود بالتوجه الحبى للمعرفة بالكنز المخفى، وأن جميع ما سواه كانوا عطفًا عليه.

فهو الأصل فى مقصود الحب الإلهى، وغيره كالفرع له.

فمن أجل ذلك خصه الله تعالى باسم الحبيب دون غيره، وإنما أحب الله تعالى من أمته الذين اتبعوه اتباع محبة وطاعة.

ورأى سيدنا يوسف عليه السلام أعرابيًّا من الشام، فسأله عن سيدنا يعقوب عليه السلام.

فقال: كثير الأحزان، وقد انحنى ظهره وذهب بصره على فقد ولده يوسف.

فوقع مغشيًّا عليه من البكاء، فقالوا: ما هذا البكاء؟

فقال: أخبرنى هذا الأعرابى أن يعقوب أشرف على الهلاك.

فقالوا: أله ذنب؟

قال: نعم، اتخذ محبوبًا مع الله تعالى.

وقال الإمام الشبلى رضى الله عنه فى قوله تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ النور ٣٠.

غض أبصار الرؤوس عن المحرمات، وغض أبصار القلوب عن غير الله تعالى.

وقد قيل: ما من ساعة إلا ويطلع الله على عباده، فأى قلب وجد فيه غيره سلط عليه الدنيا.

وعن أبى موسى الأشعرى أن النبى ﷺ قيل له:

إن الرجل ليحب القوم ولما يلحق بهم.

فقال:

﴿ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ﴾.

وقد اشترط الله تعالى للمحبة غفران الذنب فقال:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ آل عمران ٣١.

وقال ﷺ:

﴿ وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِى الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِى الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ ﴾ مسند الإمام أحمد.

ومن أمثلة المحبة فى الكتاب الكريم نجد النسوة اللائى رأين سيدنا يوسف عليه السلام قد قطعن أيديهن من توهان محبتهن له، فقال عز من قال:

﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ يوسف ٣١.

وهنالك ضلال من نوع آخر، ألا وهو ضلال المحبة بمعنى التوهان، مثل ما حدث مع سيدنا يعقوب عليه السلام، عندما فقد خليفته سيدنا يوسف، فبكى وتتيم بحبه حتى ذهب بصره.

ونطق الأبناء للأب الحنون فقالوا:

﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِى ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴾ يوسف ٩٥.

فكان الضلال بمعنى توهان محبة، وليس ضلال غى عن المولى العظيم.

وتوفيت السيدة خديجة رضى الله عنها قبل الإسراء، أى إنها لم تشهد من أركان الإسلام غير شهادة التوحيد.

والحق يرسل لها السلام مع أمين سر الوحى سيدنا جبريل عليه السلام، ووظيفته هبوطه بالرسالات على المرسلين.

ولكن يتنزل ذات مرة على رسوله الكريم ﷺ، ليخبره أن السلام يرسل السلام والتحية والإكرام للسيدة خديجة، التى لم تصل ولم تصم ولم تزك أو تحج، ولكنها أحبت الحبيب؛ فأصبحت سيدة نساء أهل الجنة.

والمولى يرسل لها السلام، فقد نالت ما نالت بالمحبة.

وانظروا ماذا فعلت المحبة مع ورقة بن نوفل، الذى لم يسلم، بل لم يحضر زمن الإسلام.

وتقول السيدة عائشة رضى الله عنها:

﴿ فَرَجَعَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ رَجُلًا تَنَصَّرَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ وَرَقَةُ: مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَإِنْ أَدْرَكَنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ﴾ البخارى فى الصحيح.

فسبب نجاته أنه عقد النية على أن ينصر الحبيب.

بل كانت المحبة طوق نجاة لملك النصارى، فعن سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه:

﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِىَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِى الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفَّ بِهِمْ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ﴾.

فماذا فعل غير أنه أحب حبيب الله، بل وقدم له الهدايا، ولذلك صلى عليه الحبيب صلاة الجنازة كما تصلى على المسلمين.

ويقول الحبيب المصطفى ﷺ:

﴿ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ ﴾ جمع الجوامع للسيوطى، والسنة لابن أبى عاصم.

فالهوى هنا معناه المحبة، التى يتولد منها الغيرة.

والمفهوم الصحيح للغيرة أن تتسابق مع أخيك فى عمل الخير، وليس أن تسبه فى عقيدته وعرضه وأخلاقه.

ولقد أوصى ﷺ سائر المسلمين حين قال العرباض بن سارية: