خطاب 2021
الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية
أبناء الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني
خطاب
فضيلة مولانا الإمام
الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه
فَأَنَا بِفَضْلِ اللهِ فِي أَعْلَا الْعُلَا
حولية الإمامين الجليلين رضي الله عنهما
الأربعاء ٢٥ شعبان ١٤٤٢هـ الموافق ٧ أبريل ٢٠٢١م
## نص الخطاب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى بعد الزيادة زادنى، فهو القديرُ ومن لديه قدير، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الجَّاه الرَّفيع، وعلى آله وأصحابه والتَّابعين وتابعى التَّابعين، ذوى القدر المانع المنيع.
أما بعد.. فيا أحباب الغنى وفى غناه فقير..
من المعلوم أن أول باب نطرقه فى أركان الطريق هو العهد، والعهد هو أوثق رباط بين رجلين تَحَابَّا فى الله وتعاهدا على طاعته، إنه لله وفى الله وبالله، وهو الميثاق بين الطبيب ومريضه، وكذا بين المُعَلِّم وتلميذه، للالتزام بالتوجيهات فى السَّير إلى الله، بطريق التـَّهْذِيب والتَّصْفِيَة للنفس.
وعند أهل اللُّغة هو الوَصِيَّة والمُوْثَق والأمان واليمين، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد.
وفى اصطلاح القوم: الوقوف عند ما حَدّه الله لعباده.
وعند ساداتنا الصُّوفية هو الذى يربط بين الشيخ والمريد.
قال جل شأنه:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ الفتح ١٠.
وقوله:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ النحل ٩١.
فالآيات توضِّح من هم الذين أوكل الله لهم أمر البيعة أو المبايعة والوفاء لهم بالعهد، ألا وهم شيوخ التربية.
فالعهد فى حقيقته عهد الله، واليد يد الله:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾.
ومن هنا كان التحذير من عاقبة نقض العهد:
﴿ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾.
فالعهد الظاهر عهد الشيخ، والعهد الباطن الحقيقى هو عهد الله سبحانه وتعالى.
بَايَعَ اللهُ الَّذِى أَوْفَى بِعَهْدِى
وَالْخَسَارُ لِمَنْ بِعَهْدِى نَاكِثِين
والعهد بداية الرِّبَاط، كما يطلق عليه: «البَيْعَة، التَّحْكِيم، إلباس الخِرْقَة أو الطَّرِيق»، وهى ألفاظ لها دلالات تربوية سلوكية عميقة، تعنى بحسب الظاهر: ابتداء الرابطة بين المريد السالك والشيخ الكامل، وبحسب الحقيقة والباطن: ربط المريد بالمراد سبحانه.
فكل ما عُوهِد الله عليه فهو عهد، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد، وفى حديث الدعاء:
﴿ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ ابن حبان فى الصحيح.
وعند السَّادة الصوفية: يُقصد بأخذ العهد على المريد، بأن يحافظ على الواجبات والآداب الشرعية، وما يُلقِّنه له شيخه من أذكار، ولا يهملها ولا يغفل عنها.
00000أما البيعة فهى مدخل الصُّحبة المباركة بين الشيخ المُربِّى ومريد الوصول إلى معرفة الحق، وبها يسرى تأثير الشيخ فى مريده بالحال والمقال، ويتحقَّق الرِّبَاط الوثيق الذى يستهدف تزكية النفس الإنسانية، وصلاح القلب والروح.
فالسَّائر فى طريق الله سبحانه، لا بد له من زاد وهو التَّقوى، وسلاح يتقوَّى به على عدوه اللدود وهو الذِّكر، ومركوب يقتصر عليه وعثاء السَّفر وهو الهِمّة.
ولا يستقيم السَّير مع كل هذا إلا بدليل، وهو الأستاذ المتَّصف بكمال المتابعة لسيدنا رسول الله ﷺ، الكامل فى علوم الشريعة والطريقة والحقيقة.
فالشيخ هو الأستاذ الروحى والمربى الفاضل الذى سلك طريق الحق، وعرف المخاوف والمهالك والحدود، فتولَّى تربية المريدين، والإشارة عليهم بمستلزمات السلوك، ومقتضيات الوصول إلى قرب الخالق عز وجل.
وقد اشتهرت عبارتهم: «مَنْ لا شيخ له فالشيطان شيخه».
فمن أراد السلوك إلى الله على يد واصل من الواصلين، وقد يسَّر الله له من هو كذلك، فعليه أن يلزم نفسه طاعته والدخول تحت أوامره ونواهيه؛ فإن الشيخ المُربِّى يتعهَّد السائر إلى الله بالتوجيه، ويرشده إلى طريق الحق، ويضيء له ما أظلم من جوانب نفسه، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة وهدى ويقين.
ولكى لا يختلط مفهوم الطاعة هنا بمفاهيم خاطئة أسلمت أصحابها إلى الأفكار الضالة والمضلة، فخاضوا فيما ليس لهم به علم، واستباحوا تكفير الناس، وتحريم ما أحلَّ الله، وسفك الدماء، والبحث فى عقائد المسلمين؛ نسوا أو تناسوا سيرة الرسول الكريم ﷺ وسنته.
فعن سيدنا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:
﴿ كُفُّوا عَنْ أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَا تُكَفِّرُوهُمْ بِذَنْبٍ، فَمَنْ أَكْفَرَ أَهْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَهُوَ إِلَى الْكُفْرِ أَقْرَبُ ﴾ الطبرانى فى المعجم الكبير.
وعن سيدنا ومولانا الإمام على كرم الله وجهه قال:
«أنصح الناس وأعلمهم بالله، أشدهم للناس حبًّا وتعظيمًا لحرمة أهل لا إله إلا الله».
فمفهوم الطاعة عند ساداتنا الصوفية هو مبايعة الشيخ وأخذ العهد على يديه، على السير معه فى طريق التخلِّى عن العيوب، والتحلِّى بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان، والترقِّى فى مقاماته.
ودليله من كتاب الله قوله جل شأنه:
﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ الرعد ٧.
فإن العهد لا يخرج علی هذه الأصول الشرعية، ولما فيه من التعاون على البر والتقوى، فقد قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ المائدة ٢.
الجَمْعُ الكَرِيم...
التوبة والندم بداية طريق الحق إلى المولى، بعد ما عاهد المريد عليه الله، فسبحانه القائل:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ النور ٣١.
وفى الحديث الشريف أن سيدنا أنس رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
﴿ التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴾.
وعن هذا الركن قال الإمام أبو حامد الغزالى رضى الله عنه فى الإحياء:
إن التوبة عن الذنوب، بالرجوع إلى ستَّار العيوب وعلاَّم الغيوب، مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وأول إقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقرَّبين، ولأبينا آدم عليه السلام وعلى سائر الأنبياء أجمعين، وما أجدر بالأولاد الاقتداء بالآباء والأجداد.
إن التجرُّد لمحض الخير دأب الملائكة المقرَّبين، وأما التجرُّد للشر فسجية الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع فى الشر ضرورة الآدميين.
فالمتجرِّد للخير ملك مقرَّب، والمتجرِّد للشر شيطان مبعد، أما الإنسان فمتلافی للشر بالرجوع إلى الخير، فقد ازدوج فى طينة الإنسان شائبتان، واصطحب فيه سجيتان، وكل عبد مصحِّح نسبه؛ إما إلى الملك أو إلى آدم أو إلى الشيطان.
فإن الشر معجون مع الخير فى طينة آدم، عجنًا محكمًا لا يخلِّصه إلا إحدى النارين: نار الندم أو نار جهنم.
وإليك اختيار أهون النارين، والمبادرة إلى أخف الشرين، قبل أن يطوى بساط الاختيار، ويساق إلى دار الاضطرار، إما إلى الجنة وإما إلى النار.
يقول سيدى فخر الدين رضى الله عنه:
عَفَا اللهُ عَمَّنْ عَادَ لِلرَّكْبِ نَادِمًا
عَفَا اللهُ عَمَّنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ذَلَّةِ
وعن تصحيح النسب قال رضى الله عنه:
يُؤْتَى الْفَتَى فِى صُحْبَتِى
نَسَبًا صَحِيحًا مُسْنَدَا
وحقيقة التوبة فى لغة العرب الرجوع، يقال: تاب أى رجع؛ فالتوبة الرجوع عما كان مذمومًا فى الشرع إلى ما هو محمود فيه.
وفى الحديث:
﴿ النَّدَمُ تَوْبَةٌ ﴾.
فأرباب الأصول من أهل السنة قالوا: شرط التوبة حتى تصح ثلاثة أشياء:
الندم على ما عمل من المخالفات، وترك الزلة فى الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثل ما عمل من المعاصى؛ فهذه الأركان لا بد منها حتى تصح توبته.
وللتوبة أسباب ومنازل، وأول أسبابها هو هجران جلساء السوء، فهم الذين يحملونه على رد قصده للتوبة.
وأول منازلها إرضاء الخصوم بما أمكنه، وإلا فالعزم بقلبه على أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان، والرجوع إلى الله بصدق الابتهال، والدعاء لهم وللتائبين.
قال الإمام الجنيد رضى الله عنه:
التوبة على ثلاثة معان: أولها الندم، والثانى العزم على ترك المعاودة إلى ما نهى الله عنه، والثالث السعى فى أداء المظالم.
وسئل سيدى ذی النون رضى الله عنه عن التوبة فقال:
توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة.
وقال الإمام ابن عطاء الله رضى الله عنه:
التوبة توبتان: توبة الإنابة وتوبة الاستجابة؛ فتوبة الإنابة أن يتوب العبد خوفًا من عقوبته، وتوبة الاستجابة أن يتوب حياءً من كرمه.
فإذا وجدت التوبة لازمها الاستغفار، كما قالوا: «استشعر الوجل إلى الأجل».
وقال عز من قائل:
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ آل عمران ٣١.
وكان من سنته ﷺ دوام الاستغفار، فعن سيدنا أبی هريرة رضى الله عنه قال: قال ﷺ:
﴿ إِنِّى لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ﴾ ابن ماجه فى سننه.
وقال ﷺ:
﴿ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ سنن أبى داود.
والاستغفار قوت التوابين ومفزع الخطائين، قال جل وعلا:
﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ هود ٥٢.
وقال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾ المائدة ٧٤.
فبداية التوبة الاستغفار، فالاستغفار مع الذنب سؤال الستر من الله تعالى، ومغفرة الله تعالى لعبده فى حال ذنبه ستره عليه.
ويقال: ما من ذنب ستره الله تعالى على عبده فى الدنيا إلا غفره له فى الآخرة؛ إن الله تعالى أكرم من أن يكشف ذنبًا كان قد ستره.
وما من ذنب كشفه الله فى الدنيا إلا جعل ذلك عقوبة عبده فى الآخرة، فكان كشف هذا الذنب فى الدنيا هو العقوبة التى سيتلقاها فى الآخرة، والله أكرم من أن يثنِّى عقوبته على عبده.
ومن فوائد الاستغفار أن يرفع عن المرء الإصرار، فالإصرار على الذنب موجب العقاب، ولزوم الاستغفار يأتى بالمغفرة.
فعن سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنه قال: قال ﷺ:
﴿ مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِى الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ سنن أبى داود.
وقال مولاى:
وَهَيِّنَاتٌ ذُنُوبُ الْحِبِّ إِنْ عَظُمَتْ
مَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ يُؤْتَى بِإِصْرَارِ
ومن أهم فوائد الاستغفار للذاكرين السالكين السائرين إلى الله، هو ذهاب الران وجلاء الصدأ، فقد قال تبارك وتعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ المطففين ١٤.
فبقدر اقتراف الذنوب والآثام يغشى الصدأ القلوب، وجلاء القلوب كما قال ﷺ:
﴿ إِنَّ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ. قِيلَ: فَمَا جَلَاؤُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: كَثْرَةُ تِلَاوَةِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴾.
وبقدر التوبة بالرجوع إليه والاستغفار يذهب الران، فيكون المرء مهيأً للدخول فى مراحل الذكر.
وَقُلُوبٌ يُسِّر الذِّكْرُ لَهَا
هِىَ آيَاتٌ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرِ
ومن الفضائل التى أعدها المولى لأمة حبيبه ﷺ هو المقابلة بالمغفرة والرحمة.
فعن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال:
﴿ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِى عَارِضَتَى الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ بِالذَّهَبِ: السَّطْرُ الْأَوَّلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَالسَّطْرُ الثَّانِى مَا قَدَّمْنَا وَجَدْنَا، وَمَا أَكَلْنَا رَبِحْنَا، وَمَا خَلَّفْنَا خَسِرْنَا، وَالسَّطْرُ الثَّالِثُ أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ الحافظ السيوطى فى جمع الجوامع.
فعندما نطهّر أرضية قلوبنا بالاستغفار ندخل حضرة ذكر الله، والمعلوم أن الذكر عكس النسيان، قال سبحانه وتعالى:
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ الحشر ١٩.