خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 3

الخطاب الذى وجهه مولانا الإمام الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ الطريقة الى الأمة الإسلامية مساء الأربعاء السادس من شهر أبريل عام 2005

بِسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

الحمد لله الذى أعطانا فأرضانا وطهر مبتدانا، واصطفى على العالمين آل عمران وآل إبراهيم ومن آل إبراهيم اصطفانا، وصفانا من الأغيار بعد إذ هدانا، وأحفظنا كتابه بعد أن اجتبانا، وألبسنا ثوب سنة حبيبه بعد أن جعلت رجانا ومرتجانا، وصلاةً وسلامًا دائمين متلازمين على المصطفى ممن قد اصطفى منها مصابيح الدجى تشرق إذا ما الصبح اندحى والليل انمحى. يقول الحق تبارك وتعالى فى محكم تنزيله من سورة النحل، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ?ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين O وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين O واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون O إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون?النحل 125: 128. من هذه الآيات البينات يتضح السبيل والكيفية فى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى التى لا تتأتى إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن وفى هذا كله إغلاق الباب أمام الخصومة التى هى ألد أعداء الدعوة إلى سبيل الله جل وعلا وما رأينا شيئاً أذهبَ للدين ولا أقصَ للمروءة ولا أضيعَ للذة ولا أشغلَ للقلب من الخصومة، فإن قلتَ: لابُدَّ للإِنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه، فالجوابُ ما أجابَ به الإِمامُ الغزالى أن الذمَّ المتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل أو غير علمٍ، ويدخلُ فى الذمّ أيضاً مَن يطلبُ حَقَّه لكنه لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة كلماتٍ تُؤذى، وليس له إليها حاجة فى تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملْه على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذى ينصرُ حُجَّتَه بطريق الشرع من غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلُه هذا ليس حراماً، ولكن الأولى تركُه ما وجد إليه سبيلاً، لأنَّ ضبطَ اللسان فى الخصومة على حدِّ الاعتدال متعذّر فما بالك بضبط اليد، والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته ويُطلق اللسانَ فى عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب حتى أنه يكون فى صلاته وخاطره معلقٌ بالمحاجّة والخصومة فلا يَبقى حالُه على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ، وكذا الجِدال والمِراء، فينبغى أن لا يفتحَ عليه بابَ الخصومة إلا لضرورة فى الدين لابُدَّ منها، وعند ذلك يَحفظُ لسانَه وقلبَه عن آفات الخصومة، وكذلك فإن الخصومة تفتح باب النفاق لأن التتابع للأفعال وردودها قد يؤدى إلى الفجور والمغالاة فى معاملة الخصم وقد ورد عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضى اللّه عنهما؛ أن النبى قال: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقاً خالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حتَّى يَدَعَها: إِذَا ائتُمِن خانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ.

ومن الأولى التخلى عن الخصومة والتحلى بالإحسان فى الآية الكريمة وكذلك قول الحبيب أنه قال: (أمرنى ربى بتسع .. الإخلاص فى السر والعلانية والعدل فى الرضا والغضب والقصد فى الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمنى وأصل من قطعنى وأعطى من حرمنى وأن يكون نطقى ذكرا وصمتى فكرا ونظرى عبرة).

وكذلك من حديث علقمة بن وائل عن أبيه قال: كنا قعودا عند النبى فجاء رجل فى عنقه نسعة فقال يا رسول الله إن هذا وأخى كانا فى جب يحفرانه فوقع المنقار فضرب به رأس صاحبه فقتله فقال له النبى: (اعف عنه)، فأبى، ثم قام فذكر مثل الكلام فقال له النبى: (اعف عنه)، فأبى، فقال له النبى: (اذهب به فإن قتلته كنت مثله) فخرج به حتى جاوز فناديناه ألا تسمع ما يقول رسول الله فرجع فقال رسول الله: (إن قتلته كنت مثله) قال: نعم أعفو عنه فخرج يجر نسعته حتى خفى علينا.

ولنا العبرة والعظة من باب مدينة العلم قالَ فى ابن مُلْجِمٍ بَعْدَ مَا ضَرَبَهُ: أطعموه واسْقُوه وأحْسِنُوا أسَارِه فَإِنْ عِشْتُ فأنَا وَلِى دَمِى أعْفو إنْ شِئْتُ وإنْ شِئْتُ استقدمت وإنْ مت فقتلتُمُوهُ فَلاَ تُمَتِّلُوا به، ما أروع العفو فى ألد الخصومة، وفى معناه ما رواه العسكرى عن الأصمعى قال: أتى أعرابى قوما فقال لهم هل لكم فى الحق أو فيما هو خير منه؟ قالوا وما خير من الحق؟ قال التفضل والتغافل أفضل من أخذ الحق كله، وقال الأصمعى تقول العرب خذ حقك فى عفاف وافيا أو غير واف. قال وأنشدنى عمى بأثر هذا:

وقومى إن جهلت فسائليهم ----كفى قومى بصاحبهم خبيرا هل أعفو عن أصول الحق فيهم ---- إذا عثرت وأقتطع الصدورا

وقد قال سيدى فخر الدين مرشدا ومبينا ما هو أروع فى الخصومة من نسيانها كأن لم تكن لأن تذكرها لا يسر ونسيانها لا يضر والكلمة الطيبة أقوى من السيوف والرماح:

ما سر لو بات المحب مغاضبا----وعليه جفوة قاطعى أرحامى ما ضر لو بات المحب وقد عفى----إن التظالم بؤرة الإظلام

وأما الذين سبقونا بالإيمان فلهم منا التقدير والإحترام لشيبة شابت فى الإسلام وفى الطريق، ورد فى صحيح مسلم، عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه: لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَ لاَ تَدَابَرُوا، وَلا يَبْغِ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا -ويشير إلى صدره ثلاثَ مرات- بِحَسْبِ امْراءٍ مِنَ الشَّرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ وفى هذا الحديث ختام لموضوعنا الأول وبدايةً لموضوعنا الثانى ألا وهو احترام الإخوة القدامى الذين عاصروا وناصروا الطريق فى عهده الأول مع سيدى فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى أو فى زمن الوالد الكريم مولانا الشيخ إبراهيم رضى الله عنهما وقد نرى البعض يستخدم الحكم الصوفية فى غير محلها كمن يقول: ليس الطريق لمن سبق ولكن الطريق لمن صدق. وليس معنى هذا أن كل من سبق لم يصدق بل قد يكون قد سبق وصدق، وإن احتج البعض بما عرفوا من الزلات أو الهفوات فإن التاريخ يعيد نفسه وقد سبق قول الحبيب المصطفى ليحسم مثل هذه الأمور بقوله عن ابن عمر أن رسول الله قال: (من حفظنى فى أصحابى ورد على حوضى ومن لم يحفظنى فى أصحابى لم يرنى يوم القيامة إلا من بعيد) قال رسول الله: (إذا ذكر أصحابى فأمسكوا) قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد هو يعلم أنهم سيفتنون. وقالت السيدة عائشة: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم، سمعت نبيكم يقول: (لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها) وقال ابن عمر: سمعت رسول الله يقول: (إذا رأيتم الذين يسبون أصحابى فقولوا لعن الله أشركم). وقال العوام بن حوشب: أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبى: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم. أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة ?ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم?الحشر 10 ... أى حقداً وحسداً ?ربنا إنك رءوف رحيم? الآية ?والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم? وقوله تعالى: ?والذين جاءوا من بعدهم? يعنى التابعين ومن دخل فى الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبى ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن شمساً، فإن لم تستطع فكن قمراً، فإن لم تستطع فكن كوكباً مضيئاً، فإن لم تستطع فكن كوكباً صغيراً، ومن جهة النور لا تنقطع، ومعنى هذا: كن مهاجريا، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصاريا، فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت منزلة؛ فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التى بقيت. وعن جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جده على بن الحسين، أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله ما تقول فى عثمان؟ فقال له: يا أخى أنت من قوم قال الله فيهم: ?للفقراء المهاجرين?الحشر 8 ... الآية؟ قال لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: ?والذين تبوءوا الدار والإيمان?الحشر 9 ... الآية؟ قال لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهى قوله تعالى: ?والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان? الآية.

وقد قيل: إن محمد بن على بن الحسين روى عن أبيه: أن نفرا من أهل العراق جاءوا إليه، فسبوا أبا بكر وعمر، ثم عثمان فأكثروا؛ فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا لا. فقال: أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: ?والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم? قوموا، فعل الله بكم وفعل. ونخلص من كل هذا إلى قول بيّن يقطع الشك باليقين ويبطل الظن ويحسن العمل أن من سبقنا بالطريق علينا احترام شيبة شابت فى الإسلام وفى الطريق إلى الله ولا تظن أنك أحرص منه على مصلحة الطريق فإن الراعى واعى وهو مالك أمرها فهيهات أن تظن مهما بلغت بك الوظائف والرتب فى الطريق أنك تملك سهما فى حمايتها أو فى عطائها وإلا أدخلت نفسك فيما لا يحمد عقباه فى هذه الدار أو دار القرار:

من ظن أنى قد أضن فإنه----يرمى بنقص فى العطاء الأكمل من قال أنى لست مالك أمرها----تبت يداه بكربة لا تنجلى