ومن أوكد الآداب هو الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر الذى أفرد له الحق فِى الكتاب العزيز العديد من الآيات، وها هي سورة الحجرات خير شاهد، ولأن ديدن أهل الزيغ فِى كل عصر الالتواء والالتفاف بالنصوص ليحققوا بها مُرادهم، فتجدهم بدعوى إقامة أمر من أوامر الحق أو سُنَّة من سنن الحبيب صلى الله عليه وسلم يلبثون الحق بالباطل، فقديما تجرؤوا ونادوا بحرمة السيادة لغير (الله) حتى للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلما اصطدموا بتوافر نصوص الكتاب والسنة، علت أصواتهم بالسيادة، ولكنهم جنحوا إلى مَنحَن آخر فآخر، قد لا يطول الانتظار وتشهِدونه، يأمرون الناس بكثرة الذكر على الحبيب صلى الله عليه وسلم وتعظيم آل بيته فقط يطلقون عليها الشيء الشرعي كما هو ديدنهم. ونجد نجوم الهداية دائما ما ينيرون لنا الطريق، فعندما أشار مولاى الإمام فخر الدين رضى الله عنه إلى السَّيدُ العَبدُ وَالإنسَانُ مُناديا فيه (الرَحمَة والقُدوَة) بعد أن همس قائلا (يَا سَيدى) أنت (للسّيَادَة رَبُّ) فقد قلت (وَقَولُكَ هَدىٌ) بأن الذخيرة متمثلة فى عترة الخلفاء حاملين فيهم عطاء وهدى سيد الأنبياء فَكُن يَا مُريدى للكرَام مُقَلدا فحقا السَّادَةُ الأَقطَابُ فينَا أَنجُمٌ.
فالانتباه لهذا الأمر واجب حتمى، فمن ذكر اسم الحبيب صلى الله عليه وسلم مُجردا من السيادة، فلينتبه لأن {الدَّالُّ عَلَى ا لخير كَفَاعله} مسند الإمام أحمد، واحذر قول الحبيب المحبوب عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام { ... وَمَن سَنَّ سُنَّة سَيئَة كَانَ عَلَيه وزرُهَا ... } سنن ابن ماجه، فانظر فىِ أى الفريقين تضع نفسك.
ولعلنا نجد من يقول فى هذا الزمان: هل هذا الأمر جوهرى لكى نعوّل عليه فِى تلك الفترة من حياتنا؟ وفِ ظل كل الصعوبات التى تواجه الناس فِى أمور حياتهم؟
نقول لهم إذا عدّدنا الآداب وقلنا بالمفهوم السابق، فتركناها لوجود ما هو أهم منها، لأصبح الناس أمام مجتمع فوضوى لا أخلاق فيه، فأدبك مع الحبيب صلى الله عليه وسلم إنما هو ركيزة ونواة لباقى الآداب، فيفتح لك أبواب آدابك مع والديك، وأدبك فىِ الحوار، حتى ينتهى أدبك إلى الحيوان أى الرفق به، ونجد سيدى ابن المبارك يقول: (طلبنا الأدب حينَ فاتنا المؤدّبون)
وقيل: ثَلاث خصال لَيسَ معهن غربة: مجانبة أهل الريَب، وحُسنُ الأدب، وكف الأذى
وقيل فِ المعنى: يزينُ الغريبَ إذا ما اغتربْ ثلاثٌ؛ فمنهنّ حسنُ الأدب وثانيةٌ حسنُ أخلاقِه وثالثةٌ اجتنابُ الرِّيَب
ولما دَخَلَ أَبُو حفص بغداد، قَالَ لَه الإمام الجنيد: لَقَد أدّبت أَصحَابك آداب السلاطين، فَقَالَ أَبُو حفص: حُسنُ الأدب فى الظاهر عنوان حُسن الأدب فِ الباطن. فتوحيد الأمة نوع من الرقى والرفعة، لإظهار سماحة الدين وعدالته، فبدلا من اتّهام الآخرين بالكفر والإلحاد علينا إظهار محاسن ومكارم الأخلق المتمثلة فى أقوال وأفعال وإشارات سيد الأكوان أَحمَدُ مَن حمَد الذى أثنى كل الخير على الأنبياء والرسل السابقين، وخير دليل تذييل سورة البقرة بأن الحبيب آمن بما أُنزلَ إلَيه من رَبه وكذا المؤمنون كُل آمَنَ بالِلّه وَمَلاَئكَته وَكُتُبه وَرُسُله والكل لا يفرقون بَينَ أَحَدٍ من رُسُله.
فلن يأتى الصلاح من تلقاء نفسه، بل من مجاهدة النفس ومحاسبتها، فيتجلى دور الأوراد للقيام برحلة إصلاح المضغة التى من شأن صلاحها صلاح سائر الجسد، وبفسادها يفسد سائر الجسد، فما أن صَلُحَت هذه المضغة، ارتحل المؤمن إلى الأمر الذى من أجله كان ما كان، ألا وهو (السير) وقال الإمام النابلسى رضى الله عنه (إلى الذات سيرى فى مراتب أسماء) فيدخل المريد فى مباداء الإحصاء، من بعد التعب والعناء، ليهنأ بالتقريب والعيش الرغيد.
ما ذكرناه هو حال السائرين ترتفع فتنخفض درجاتهم بحسب ما اجتهدوا للوصول إليه من عزم قوى وهمة عالية ومجاهدة النفس والدنيا والشيِطان والهوى، وشتان بين المحب والحبيب، وبين المريد والمرُاد:
فحال السائرين المكابدة والمجاهدة لنوال حسن المآب، وحال المصطفين كما أخبر عنهم الحق سبحانه (أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (*) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) 46، 47 ص، لا بسابق أمر قدّموه أو بقديم فعل أتوه، بل لسابقتهم الأزلية عند الحق، قال مولاى رضى الله عنه:
فكانت نهاية منازل الذاكرين هى مضاجع أحوال المصُطفين وبداياتهم:
أحباب رسول الله ..
عندما قال الإمام فخر الدين رضى الله عنه اللَّهُ مِنْ بَعْدِ الزِّيَادَةِ زَادَنِي زعم البعض زورا وبهتانا أن معنى الزيادة هنا (زيادة تتم النقص) فصحح فهمهم وَلاَ زَعْمٌ بِأَنِّي زِيدَ قَدْرِي فكانت الزيادة المقصودة هنا زيادة (المعارف الإلهية والمعانى الربانية) التى لا تنتهى، من باب قوله تعالى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى سورة الضحى، فكشفِ عن الفهم الراقى لترقى خلفاء الحبيب صلى الله عليه وسلم، فحقا:
وحذّر من فتح هذا الباب فقال:
فحديثه رضى الله عنه دواء لكل داء، وهادى لكل باغٍ، وإرشاد لكل ضال، فكان حقاً علينا أن نُعَلم عنه، لإنه من رجال جدهم هادى الهداة الكاملين.
وحين يقترب الوقت ليضع خاتمة لنهاية يوم مضى وبداية آخر جديد، تقترن حبَّات الزمان بنفحاتٍ كحبات اللؤلؤ والمرجان، فننظر بين دفتى كتاب الأيام ليطل علينا أبهى منظر بتعانق حولية الإمامين الجليلين مع مولد إنسان العين، ديَّار الرضا، حلاَّل العُقَد، حُجة التوحيد، عال القدر، قطب الأقطاب، العارف بالله سيدى إبراهيم القرشى الدسوقى رضى الله تعالى عنه وقد أوجز الإمام سيدى فخر الدين رضى الله عنه بصريح العبارة التى تحمل فىِ طيّاتها مكنون الإشارة حين قال عنه إنَّهُ السَّائرُ بى نحوَ الرَّشَد. ويزداد الحُسن زهوا وبريقا بأرواح رقصت وغرّدت حين ازداد العناق وتشابكت نفحات الدهر بمولد صاحب الرمحين مع منحة (الإسراء) التى اجتمعت بفرد الأربع الحُرُم، لتزدان أيام دهر الزمان، الذى كان فيه جزيل العطاء، وزاده من الرفعة والتكريم بأن حملت فيه السيدة آمنة بسيد الأولين والآخرين، وتكتمل الصورة حُسنا على أهل السموات العال برؤية مرآة ذات الحُسن، فنالوا من الشرِف بهذه الرؤية ما نالوه، قال مولاى رضى الله عنه:
إن الماء العذب كثير الورود، فإن لم يكن ماؤنا من مائه وكذا، لما سرينا ولا سرنا ولا علمت عنا الروابى، فالماء غزير، والوارد كثير، فهل شمّرتم عن سواعدكم وتزاحمتم ووقفتم على أعتاب أبواب الفضل لتكونوا مرآة حُسن للناظرين، ليرفع الله قدرَكم، ويُحط عنكم أثقالكم، حال أن تكونوا سفراء للطريق .. وكثيرا ما لاح مولاى كمال الدين الشيخ إبراهيم رضى الله عنه أن نكون سفراء خير، فمن وصاياه رضى الله عنه أنه قال: أعظم ما يقدمه كل برهانى للطريق، التفوق فىِ الآداب والتعامل مع الآخرين وبالأخص، أبناء العموم، والتفوق فِى العمل والدراسة وشئون البيت، وفى معاملتك مع والديك والزوجة والأبناء، والتفوق أيضا فىِ احترام الكبير وفى تربية الصغير.
والتفوق فىِ أورادك ومحبتك وأدبك مع شيخك وتواصلك مع أبناء الطريق، والفهم الراقى لآداب وسماحة الطريق، حيث أنك تُمثّل الطريق فى مجتمع العمل والأسرة والحى، وبالتالي تصبح سفيرا للطريق، لذلك كان لزاما عليك أن تكون متفوقا فى أدبك وتعاملك وكلامك، فالتفوق يأتى بالعزم والمواظبة على الأوراد وطاعة أولى الأمر وبذلك تكون أُشعلت فى داخلك نار المحبة. ومازلنا مع ما تهواه النفوس وترتاح له القلوب وهو الحديث عن سماحة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فآيات محبته وإيثاره وصبره على أذى الخَلق تغزو القلوب والأرواح، فنستفيد من هذه الدروس وتكون نبراسا لنا فى ديننَا ودنيانا.
وكما أن المصائب تجمعن المصابين، فطريق الحب يجُمع المحبين، وإذا استحكم الوجد بالقلب اصطَلَت الروح:
فطريق الحب طويل ومراتبه كثيرة وَمَا هُوَ إِلاَّ الْحُبُّ بُغْيةَ قانِتِ فبداية الخلق بالحب، وبداية الدعوة إلى الله بالحب، وأساس الدين أيضا مبنى على الحب، فيترحل المرء من مراتب الحب إلى أن يَستَقلَّ بقلبه، ليصل به إلى منتهى الأمر بين الخلق، فيصله الحق بحبه وإرادته، ووضح مولاى الإمام فخر الدين رضى الله عنه بالتمسك بدستور الطريق، فجاء من إشاراته في إحدى فرائده كُلّ مَنْ جاء بِقَوْل غَيْر نَظْمِى فَهُو رَدّ ونتعلم من هذا أن الأمر ليس للعلوم فقط، فالطريق محفوظ من الغير والأغيار، ورشاد الأمة فى الوصول إلى الفهم الراقى للطريق وعلومه، ليتوج العمل بتاج حُسن الختام، والسير فى خطى ثابتة بكل جدٍ وجَدٍ نحو علَّم الغيوب فِ حضرة المحبوب.
وكالحال وكل عام لنا شعار لذكرى الإمامين الجليلين، فيقول مولاى سيدى فخر الدين رضى الله عنه فِ نظمه الفريد:
رَفَعَ اللَّهُ لِلْمُتَيَّمِ قَدْراً
فبدا فِى هذا القدر يركض الأولياء حتى الفناء، فأولهم باغٍ وآخرهم فنا وصلّ الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وكل عام وأنتم بخير