خطاب مولانا الشيخ محمد للأمة الإسلامية بمناسبة الحولية البرهانية 2018
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله الخافض الرافع .. رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات ليبلوهم، فهذا غنى وذاك فقير، وأشهد أن سيدنا محمد النور المبين والسراج المنير، أنزل الناس منازلهم فوقّر الكبير ورحم الصغير، ما رد سائلا قط، بل جاد بالقليل والكثير، دعا قومه لنجاتهم فتطاول عليه كل مهين وحقير، ودارت الأيام دورتها وخضع الطغاة له فكان لهم راحم، ولم يعتب ولم يطلب التبرير، فهو النور الأعظم والرسول الأجل الأكرم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم المرسلين، وإمام الوارثين، مَن ختم الله به طريق الرسالة، وآله من بدأ بهم طريق الولاية، نجوم الاهتدا، وأصحابه مصابيح الدجى (من أَمَّهم يُكفى الردى) فكانوا أَولى الناس بالاتباع والاقتدا، قال مولاى:
أما بعد ... الأحباب من شتى البقاع .. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ..
يقول سبحانه وتعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا111 الإسراء
قال مولاى رضى الله عنه:
اعلموا أن رفعة الفرد وعلو شأنه ومكانته بين الناس إنما تكون بالعلم النافع والعمل الصالح، سواء كان لبناء مجتمعه الكبير وهو الوطن أو الصغير وهى الأسرة، أو للعمل لآخرته التى إليها المستقر والمآل، وتأتى الرفعة أيضا من تحلى المرء بالأخلاق الحميدة، فالسمو والرفعة تتأتى للإنسان بطموحه لارتياد الآفاق البعيدة، وبالترفع عن صغائر الأمور، واعلم أن كل من كانت له رؤية واضحة فىِ خدمة العباد والبلاد وأولئك الذين ينذرون أنفسهم للقيم السامية والمبادئ الرفيعة، تتألق أسماؤهم وتلمع شخصياتهم ويصبح لهم ذكرى خالدة يسجلها التاريخ على مر العصور.
ومن كريم الأخلاق التى نستقيها من المعلم الأول صلوات ربى وسلامه عليه، حينما قال له رجل: {دُلَّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس} سنن ابن ماجه.
فالاستغناء عمّا فى أيدى الناس خُلق كريم، ,وأولى بالمريد التخَلُّق به، فنظرك إلى ما فىِ أيدى الناس، إنما يفتح الطريق إلى الطمع وإلى ذميم الخصال، وأرشدنا مولاى الإمام فخر الدين رضى الله عنه بقوله:
مَا
وقوله أيضا:
يَا مَنِ
وفِ (الإيقاظ) من حكم سيدى ابن عطاء الله:
وأما خواص الخواص فلم يُجبهم عن الله شاء، قطعوا حجب الوهم وحصل لهم من الله العلم والفهم، فلم يتعلقوا بشئ ولم يُحجبهم عن الله شاء، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، ولما كان الوهم ينشأ عن الطمع، والطمع ينشأ عنه الذل، والعبودية واليقين ينشأ عنهما الورع، والورع ينشأ عنه العز والحرية، نبه عليه بقوله: (أنت حر مما أنت عنه آيس وعبد لما أنت فيه طامع). قلت إنما كان الإنسان حرا مما أيس منه لأنه لما أيس من ذلك الشئ رفع همته عنه وعلقها بالملك الحق، فلما علق همته بالملك الحق سخر الحق تعالى له سائر الخلق.
والرفعة بالنسبة للأمم تُقاس بمدى تماسكها وترابطها ووحدتها، وتقدُّمها ورقيها، ولعل أهم ما يضرب هذا الترابط والتماسك ويؤدى والعياذ بالله للفرقة ودرب التفريق، ما نراه من نشر الأكاذيب والشائعات التي تخلق مناخا من الفوضى المجتمعية، فتؤثر على حال الأمة بأسرها، فتنال من رفعتها وتقدُّمها.
فوجب علينا تهيئة أهم بنية فى أساس المجتمع ألا وهى بنية (الفرد) فالتهيئة لابد أن تأتى من النشأ ألا وهم (أطفالنا) فبدلا من أن تتركهم وتترك للآخرين المجال فىِ التأثير عليهم، وانجرافهم نحو أفكار من شأنها الهدم وليس البناء، والتفريق وليس الوحدة، ويأتى يوما تحاول فيه أن تلغى ما قد تأصل في نشأتهم فلن تستطيع، فكان الأحرى بك أن تهيئ المناخ لهذه البراعم المتفتحة بالتربية الصالحة، وتزويدهم بالعلم المفيد، ذلك للوصول إلى المرُاد وهو بناء فرد نافع لمجتمعه وأسرته، ولصلاح دينه ودنياه، لأن العلم يكسو العبد أجمل حلة.
أحبابى فى رسول الله ..
نجد على مر الزمن أن الأشخاص الذين يؤثرون فِى مجتمعاتهم، هم الذين نحتوا مكانا لهم في ذاكرة التاريخ، وهم من ذكرهم التاريخ بمحمود السيرة، ضَحّوا وناضلوا من أجل إقامة العدالة واستيضاح الحق، وجعلوا من أنفسهم مضرب مثل لكافة الناس، فحجزوا مكانتهم السامية فى طليعة العظماء والخالدين، فيأخذ المرء موقعه فى نفوس الناس ويُحفر اسمه في سجلات التاريخ بمقدار ما حقّق من تقدم فِى مجالات العلم.
قال مولاى رضى الله عنه:
وفِى صحابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان لنا فيهم القدوة فى علو الهمة، ولم تكن هممهم قاصرة على الدين فحسب، بل كانت مضرب المثل في شتى المجالات (العلم والإخاء والعفو والتسامح واتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم وآثاره) وكانت هذه همة الأرواح التى تحيا بها القلوب، وقال فيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم {لو كان الدين بالثريا لناله رجال من هؤلاء} الطحاوى في مشكل الآثار.
وكانت الهمة العالية هى الطريق نحو الرفعة وسمو المقام عند الحق وبين الخلق، ومن هان عليه المال توجّهت إليه الآمال، ومن رقى فى درجات الهمم عظم فى عيون الأمم، ومن كبرت همّته كثرت قيمته.
وإذا تأملنا حياة العظماء فى المجتمعات المعاصرة والغابرة نجدهم ذوى همم عالية وتطلعات رفيعة، فمما لاشك فيه أن يشرئب الإنسان للمراتب العلا فى الدنيا ويتمناها فى الآخرة، والسبيل لذلك فى قول مولاى رضى الله عنه:
فالقيم والمبادئ من أسباب الرفعة، وكذا الأخلاق الحميدة والتربية، وتحيط بها خدمة الاخوان التى هى من الخصال المحمودة، فهنالك نوع من الترقى لا يأتى بالعبادة أو بالإنفاق، وإنما يتأتى بخدمة الإخوان، فعن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من مشى في حاجة أخيه كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين} الطبرانى في الأوسط
أما التدنى والعياذ بالله وسوء الخلق واتباع الهوى والسير خلف الشهوات، فيجلب على الإنسان ما لا يحمد عُقباه، وفى اتباع الهوى يقول الإمام الشعبي: (انما سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه) وإن أبغض العباد إلى الله سبحانه وتعالى من كان همُّه بطنه وفرجه، فعن سيدنا أبى الدرداء رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين فى العلم، فقال: {من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم} الحافظ السيوطى في الجامع الكبير.
فأشد العباد بغضا إلى الله تعالى هم المنغمسون إلى آذانهم بشهوتي البطن والفرج، فما رفع شأن امرئ كهمته ولا وضعه شاءٍ كشهِوته، وقيل: (أول الشهوة طلب وآخرها عطب).
يتجدد بنا اللقاء، بذكر الإمامين الجليلين، سيدنا ومولانا الإمام فخر الدين وسيدنا ومولانا الإمام إبراهيم رضى الله عنهما، مَن بطيب الفعال ومحمود الخصال ذكُروا، تتعطر المجالس بحديثهم، فكانوا ومازالوا منارا للطريق، فوقع حديثهم في الاذهان جارى، وطرق أقوالهم فى المسامع والوجدان سارى.
رسموا المسار الصحيح للمسلم ليترقى درجات فوق أخرى بعيدا عن الشهوات، فيبتدئ بالعلم فقال جل شأنه يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ11 المجادلة، وقال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم {مَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَأَدْرَكَهُ، أَعْطَاهُ اللَّهُ كِفْلَيْنِ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِفْلًا مِنَ الْأَجْرِ} السنن الكبرى للبيهقى، ففى كل الأمرين خير، فبالعلم تظهر معادن الناس، كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم بقوله {النَّاسُ مَعَادنُ فى الخير والشر، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام اذا فقهوا} مسند الإمام أحمد
وها نحن نقف أمام قول مولاى الإمام فخر الدين رضى الله عنه:
فكان رضى الله عنه إنسان يُؤخذ منه فى هذا الميدان أصح الروايات، وأدق الإشارات، وأسمى العبارات فى النصح والإرشاد لوجه الله مأمون الجناب، وتحدث رضى الله عنه في مناحي العلم، فتكلم في التفسير والحديث والسيرة والطب والفلك وغيرهم من مختلف العلوم، وكان علمه رضى الله عنه هو العلم الموصول، فحقا (علمتُ ولى علمٌ بعلم معلمى).
وبالعلم يأمن المسلم من لدغات شياطين الإنس، التي لا تودى بحياته فحسب بل تودى بدينه ودنياه، فلا يكون له من هذا الباب سبيلا للدخول، بل إذا ولج باب العلم يُفتح له بعده باب العمل، كما قيل (فمن عمل بما علم فتح الله له مالا يعلم).
وعن سفيان بن عيينه رضى الله عنه قَالَ: أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ، وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعَهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ولا ينتهى العمل بالمسلم عند هذا الحد، بل يوصله إلى حلقة أخرى لتكتمل الثمرة و تُفيد و تَستفيد، فيزج به إلى (المعاملات) ويحُدّثنا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بقوله {إنَّ للمسلم على أخيه المسلم من المعروف ستا: يُسَلمُ عليه إذا لقيَه، ويَعودُه إن مرضَ، ويُشمتُه إذا عَطَس، ويَشهِدُه إذا ماتَ، ويُجيبُه إذَا دعاهُ، و ويحب له ما يحب لنفسه، ويكرهُ له ما يكرهُ لنفسه} سنن الترمذى.
وبعد أن تنقَّل المسلم من العلم إلى العمل وانتهى به المآل إلى المعاملات، تأتى الطريقة لتبنى فوق هذا البناء صرحا أساسه حميد الأخلاق وكريم الخصال، و يَسطَع نجم هذا الأمر عند شروع المؤمن فىِ الدخول إلى مقام (التوفيق) بحثا عن إصلاح أمره قدر الاستطاعة، فقال سبحانه وتعالى إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ...88 هود. فكان صلاح المرء وتوفيقه بأن يعمل دوما على اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم، كما أمر المسلمين أن ينظروا إلى صلاته فقال صلى الله عليه وسلم {صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونى أُصَلّى} صحيح ابن حبان، فأَولى بالمؤمنين أن يتخلقوا بـ (أخلاقه) صلى الله عليه وسلم وأن يلتحقوا بها، فخُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أولى الأخلاق التى يوفق المرء معها أخلاقه، وقد وصفه الحق فىِ محكم التنزيل بقوله وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ4 القلم
وكان الخُلق الحسن شطر وصيته صلى الله عليه وسلم لسيدنا مُعَاذ بن جَبَلٍ رضى الله تعالى عنه عندما قَالَ: {قُلتُ يَا رَسُولَ الِلّه أَوصنى، قَالَ: اتَّق الِلَّهَ حَيثُمَا كُنتَ، وخَالق النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ} مسند الإمام أحمد، ومظهر الأخلاق الكريمة أي ـ الآداب ـ الذى نجده علامة للمستقدمين، كما أخبرنا مولاى فخر الدين: