خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 31

ويتخلل الذكر القلوب، فنجد سورة الأعلى تخبرنا عن قِدَم الذكر فيقول عز من قائل] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى O وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى O بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا O وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى O إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الْأُولَى O صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [14: 19 الأعلى. أما سورة المزمل فتُخبر كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن فرضية الذكر وردت قبل الأركان الأربعة للإسلام عندما ناداه رب العرش فى سورة المزمل قائلاً] يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [حتى وصل سبحانه لقوله] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [8 المزمل.

وتتوالى آيات الذكر بصيغة الجمع حين قال] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [191 آل عمران، وأيضا قوله تعالى] فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [103 النساء، هذا على سبيل المثال لا الحصر فنجد آيات الذكر تغزو القلوب والعقول.

أحبابى فى رسول الله ..

فإذا خصصنا من أهل التصوف طريق سيدى أبى العينين نجد الإمام سيدى فخر الدين يقول فى نظمه الفريد:

فَتَدَارَسُوهَا لَا قِرَاءَةَ عَابِرٍ

مُسْتَعْبِرٍ فِيهَا يُفَنِّدُ قَوْلَهَا

كما قال:

الْعِلْمُ غَثٌّ أَوْ سَمِيـ

نُ لِلْقُلُوبَ يُخَضِّبُ

فأرشد الأمة إلى العلم الراقى الذى يُصلِح به الفرد أمر دينه ودنياه، وبدأها لنا من أول الأمر وهى (العقيدة) التى لا يصح للمرء من عملٍ بغيرها، وامتداداً لإرشاده من إلقائه الدروس اليومية فى مختلف العلوم جاءت قصائده لتهدى العقول:

تُضَاءُ بِهَا الْحَوَالِكُ مِنْ عُجابٍ

لِتَهْدِيَكُمْ إِذَا مَا اللَّيْلُ جَنَّ إن التدارس يجمع المحبين على مائدة الصفا فيأخذهم إلى طريق التسامح ليمحو من طريقهم عواصف الخلافات ودوامات المشاكل، ليعصفهم برياح القرب، فيتفتّق القلب عن فقه المعانى الراقية وتسمو الروح آمنة مطمئنة لتسبح بين أهل الصفا إلى مَن مِن أجله تنزّلت، حيث قال (من أجل إبراهيم قد أمليتها) بعد أن قال (من أجل إبراهيم بعد رجائه) فكان لاسمه الكريم شرف التنزيل فما بالكم بصاحب الاسم الميمون، بل زاد التخصيص حرمة حين قال (فمن يقبله إبراهيم) من حضرة التكريم الذى (من كفيه صرفاً تشربون) فهو ربان السفينة أزلاً وأبداً بعد اختيار الحضرتين، ليس بصفته الوارث الحامل للأمانة، بل لأنها سُنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً أو تحويلاً، وقد أشار إلى ذلك الإمام فخر الدين بقوله:

وَفِينَا يَكُونُ الْإِخْتِلَافُ تَعَاقُبُ

أى من ابن إلى ابن الابن وذلك قبل أن يسبق ويقول:

وَلِى فِى ابْنِ آمِنَةٍ وَصِيَّةُ وَارِثٍ

فحقا كل شاء أحصيناه فى إمام مبين، وما جُعل الإمام إلى ليؤتم به، فكل عام يتجدد بنا اللقاء فى ذكرى الإمامين فتتشرف الأسماع بأحاديثهم، وتتعطر الأرواح بنفحاتهم، فهم كرام السوح حقاً:

مَا كِتَابُ اللهِ إِلَّا جَمْعُنَا

إِنَّمَا الْأَحْبَابُ آيَاتٌ بِهِ

من الخلفاء اللاحقين بعد الخلفاء الراشدين لكى يستتم بهم الدين

وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وكل عام وأنتم بخير