خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 2

كما أنه من الأساسيات لمجالس العلم التفقُّه فى العبادات التى لا يَصِحُّ الطريقٌ بدونِها ونعوذُ باللهِ من شرِّ التفسُّق والتزندُّق، ولقد كان الإمام فخر الدين يَحضُرُ دروسَ الفِقهِ ويُواظبُ عليها كطالبِ عِلمٍ بالرغم من كَونِه من أعلمِ عُلماءِ عَصرِه تشريعا وتحقيقا. ثم نأتى إلى الودِّ والتآلفِ والتَّزاورِ والتكاتفِ والتَّصافى وقد قال الله تعالى فى مُحكمِ التنزيل ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْم عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْم الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالمون?.

وعن أبى هريرة قال قال رسول الله: لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَ لاَ تَدَابَرُوا، وَ لا يَبْغِ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذله وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا - ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات - بِحَسْبِ امْراءٍ مِنَ الشَّرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ صحيح مسلم. والتواصل والتراحم لا نَقصِدُ بهِ أبناءَ الطريقةِ البُرهانيةِ بعضُهم البعض فقط ولكن أيضاً أبناءَ العمومة من الطرقِ الصُّوفية فى كلِّ أنحاء العالم فإنَّ حُبَّ رسول الله يَجمعُنا ويَوحِّد القلوب مَهَما اخْتلفتِ المَشاربُ ويقولُ الإمامُ البوصيرى:

وكلُّهُم مِن رسولِ اللهِ مُلتمِسٌ غَرفاً من البحرِ أو رَشفاً من الدِّيمِ

وفى هذا يقول سيِّدى فخر الدين: أينَ التَّراحمُ يا بَنى فإنَّهُ عَذبٌ صَفى من شَرابِ الكُمَّلِ

وحذَّرنا من القطيعةِ والتجافى وبيَّن أسبابها بقوله:

لا تركنوا

للظَّالمينَ فإنَّهم۞مَزجٌ من القُطَّاعِ واللُوَّامِ عِفُّوا

اللسانَ عنِ المحارمِ إنَّ ذا

هو موردُ الهَمّازِ والنَّمَّامِ

ثم إلى هذا التساؤلِ الذى يَودُّ كل منَّا أن يَطرحَه على نفسِه:

أيا نارُ نورى فى قلوبِ أحبَّتى ترى أينَ من يُزكيك أين زكاتُكِ

اخوانى أخواتى ...

تمر منطقتنا العربية والإفريقية بمرحلة بالغةَ الدقة والتعقيد، تواجه فيه المخططات الأجنبية التى تستهدف هويتها وإرثها الحضارى فضلاً عن المصالح الاقتصادية، والسودان بموقعه الجغرافى المتميز كجسرٍ يربط بين القارة السمراء والعالم العربى، و بما حباه الله من ثروات طبيعية هائلة، قد وجد نفسه فى خِضَم صراع تلك المصالح الدولية فى المنطقة. وإننا ندرك بان المرحلة المقبلة تتطلب على المستوى القطرى والإقليمى وحدةً للرؤى وتخطيطاً استراتيجياً متقناً ومنهجاً علمياً، إلا أن أى تخطيط لمواجهة تحديات المرحلة لن يكتب له النجاح إن لم يستند على البناء الأخلاقى للأفراد الذين يشكلون نواة المجتمع، وقد تحدث مولانا الإمام الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى عن هذا الموضوع عدة مرات حيث أشار إلى أن بناء الفرد المسلم وتسليحه بسلاح الإيمان، وتزكية نفسه وتربيتها و صبغها بالقيم النبيلة هو الأساس لبناء المواطن المسلم الصالح الذى سيصبح فيما بعد الركيزة الأساسية للنهضة الإسلامية الشاملة، ويشكل الوحدة الراسخة المتماسكة المتزنة داخل الجماعة التى نستطيع من خلالها مواجهة التحديات التى تواجه الأمة.

اخوانى أخواتى ...

كما تعلمون فإن التصوف الإسلامى يجسد الإسلام الصحيح الذى يقوم على المحبة والتعاطف والمودة والتراحم بين الناس ويرتكز على إصلاح القلوب وإعمارها بذكر الله والصلاة على النبى، ولعل انتشار الطريقة البرهانية والقبول الشعبى لمنهج سيدى إبراهيم فى معظم دول العالم بتباينها واختلاف عقائدها وثقافاتها وبيئتها ... لمؤشر للدور المهم للطرق الصوفية فى استراتيجيات المرحلة المقبلة.

اخوانى أخواتى ... إن التصوف يشكل التيار الشعبى لغالب شعب وادى النيل، وان السلوك الصوفى الذى يقوم على المحبة ومودة آل البيت هو السائد فى شمال الوادى وجنوبه، وان التحام هذا التيار الشعبى عبر وحدة وادى النيل لن يشكل قوة سياسية فحسب وإنما يشكل أيضاً قوة روحية هائلة يفتقدها العالم الإسلامى اليوم، فضلاً عن أن ارتكاز التكتل الإقليمى لوادى النيل على قاعدة شعبية تقوم على السلوك الصوفى بكل ما يحمله التصوف الإسلامى من معانٍ، يعنى تشكيل اللبنة الأولى لمواجهة تحديات العصر بل والعبور فوق ذلك نحو التأسيس لنهضة إسلامية شاملة تؤسس لبناء عالم تسوده قيم الإنسانية والمحبة والعدل والخير والإحسان.

وقد ظل سيدى الإمام فخرالدين إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى يتحدث عن أهمية وحدة وادى النيل، وكان كثيراً ما يتحدث فى دروسه عن حتمية وحدة مصر والسودان لأنها قد خُتِم عليها فى الحضرة النبوية الشريفة، وقد سبق أن رفض عرضاً تقدم به الإنجليز إبان حكمهم للسودان، بان يؤسس مجلساً صوفياً بالسودان يكون هو رئيساً له، حيث كان يرى أن وجود مجلسين صوفيين بكل من السودان ومصر يجسد لمبدأ الانفصال، وقد كان موقفه ذلك سبباً فى قرار المجلس الأعلى للطرق الصوفية بمصر فى 3/ 3/1955 بتعيينه وكيلاً عاماً له بالسودان والأقطار الإسلامية المجاورة.

وجاء من بعده سيدى الإمام الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى داعياً لقيام وحدة وادى النيل على أسس علمية لتكون نواة لوحدة عربية وسنداً مهماً لبناء مستقبل الأمة، واتخذ العديد من الخطوات المهمة فى هذا الصدد.

اخوانى أخواتى ... إن الاستراتيجيات الجديدة التى وُضِعت لحكم العالم فى القرن الواحد والعشرين تستند على تعزيز دور منظمات المجتمع المدنى و إضعاف دور الدولة، وعلى هذا الأساس تمت صياغة الاتفاقات والخطط والبرامج، ولعله من المفيد ونحن نتحدث عن بناء المستقبل أن نشير إلى دعوة سيدى الإمام الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى بضرورة تقاسم الأدوار فى هذه المرحلة بين {الطرق الصوفية} باعتبارها أهم منظمات المجتمع المدنى فى العالم الإسلامى، و {الدولة} بحيث تقوم الطرق الصوفية بالتصدى للجانب الأساسى للحوار الحضارى بين الإسلام وشعوب العالم وعمليات التنمية الأخلاقية وبناء الأفراد الممارسين للدين قولاً وعملاً، فيما تقوم الدولة بمؤسساتها وأحزابها وأجهزتها {الاجتماعية والسياسية والاقتصادية} بعمليات التنمية العقلية والبناء والتعمير، ليشكلا معاً الوطن والمواطن الصالح اللذان يستطيعان التعامل مع متطلبات العصر، ولعله قد آن الأوان لأن ندرك أهمية تقاسم الأدوار بين الطرق الصوفية والدولة باعتبار أن الطرق الصوفية تشكل أهم منظمات المجتمع المدنى التى تمثل غالب أهل السودان ومصر وتحمل قيم مجتمعنا وإرثه وحضارته، وتبشر بالفكر الصوفى الإسلامى الذى يجسد الدواء والبلسم لداء العصر، وهى بذلك تستطيع أن تسد الثغرة التى تعمل المخططات الأجنبية للنفاذ من خلالها. ومن هذا المنظور وإدراكاً للمخاطر التى تواجه بلادنا فإننا نبارك أى خطوات للتكامل والتوحد بين مصر والسودان ونرجو أن ينظر الجميع لوحدة وادى النيل على أنها عمل استراتيجى بالغ الأهمية يجسد الخيار الوحيد لمواجهة التحديات الجسيمة التى تواجه الأمة، وهو بذلك يستوجب الاتفاق وتوحيد الإرادة الوطنية حوله بل دعمه وتأييده، وإننا نرى أن صراع المصالح الدولية وتعارض بناء كتلة وادى النيل مع الاستراتيجيات الأجنبية فى المنطقة يحتم أن تستند الجهود المبذولة لتحقيق وحدة وادى النيل على قاعدة التيار الصوفى الجارف فى شطرى الوادي، الشئ الذى يعنى دعم تلك الخطوات وتعزيزها وتوفير القوة الروحية والسند الشعبى لها ويشكل بالتالى أهم العوامل المطلوبة لحماية وتأمين جهود بناء كتلة وادى النيل.

اخوانى أخواتى ...

قال سيدى فخر الدين:

وصرحى باسم الله بوأت ركنه وآية إبراهيم رفع القواعد

يطيب لى فى ختام خطابى هذا أن أتقدم إليكم والى الأمة الإسلامية جمعاء بالتهنئة الخالصة بمناسبة افتتاح مجمع سيدى الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه والذى يتم فى وقت نتسم فيه عبير المولد النبوى الشريف.

ولعل فى اكتمال هذا الصرح العملاق الذى أرسى قواعده ورفع بنيانه سيدى الشيخ إبراهيم وبروزه إلى حيز الوجود فى هذا التوقيت لمؤشر ومدلول بليغ على ملامح المستقبل وطبيعة المهمة الكبيرة التى تنتظرنا، وهى مهمة لن يتأتى لنا القيام بها إلا بالجد والعمل والمثابرة والتعاون والتوادد والتراحم والسمو فوق الصغائر، وقبل ذلك كله الاجتهاد فى الأوراد والمراقبة. قال سيدى فخر الدين:

فأجمِعوا أمركم والله عاصِمَكم

من الشتات لدى بِضعٍ وسبعينِ وحاذروا من وسيط السؤ

بينكُمُ۞وأيقظوا هِمّةً

فيها رياحينى إذا اجتمعتم على حُبٍّ ومرحمةٍ

فأيقنوا الوصلَ إن الله معطينى

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين