خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 22

أبنائى وبناتى .. كانت المشكلاتُ فى الماضى القريب تُعالَج فى الإطار الذى وقعت فيه، سواء أكانت فى إطار الأسرة الواحدة أو بين أبناء الحى الواحد، وها نحن نرى فى هذه الآونة مشكلات الأوطان تُنشر على صفحات النت، لتثير نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، ويدخل فيها من ليس له معرفة بشؤون السياسة فيضرُّ ولا ينفع، فمنهم من يتدخل بالنصيحة، وهناك من يتدخَّل للفرقة، وهناك من يتعرَّض بالسبِّ والسخرية والبهتان، ليزرع البغضاءُ فى النفوس ويُثيرُ الشحناء، وحب الأوطان غريزةٌ فى النفوس وواجب يقتضيه الوفاء، وقد استدل أصحاب الشرع على حبِّ الوطن من حبِّ سيدنا رسول الله للمدينة .. فكان إذا رجع من سفره ورأى جبل أُحُد من بعيد قال: هذه طابة وهذا أُحُدٌ جبلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه، والله تعالى حبَّب إلى الناس منازلهم ليلازموها فتنتظم عمارة الأرض. فهل نسى الناس قول الحق سبحانه ?وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ? [18] فالفرقةُ هى ثمرةُ الاختلاف والطاعةُ هى ثمرةُُ المحبة، وهذا من علامات الإيمان كما أخبرنا المعصوم بقوله (لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه). ومما يُحزِنُ أن نجد بعض من ينتسبون إلى التصوف، يوجهون الإساءة لإخوانهم على صفحات النت، فكم من أصحاب نوايا خيِّرة ينشرون ما يخصُّ الإخوان أو غيرِهم بالصوت والصورةِ دونَ الرجوع لأصحابها، فهل يرضَونَ لأنفسِهم هذا الفعل دون استئذان أصحاب الشأن، ولو فُعِل بهم هذا لغضبوا لأنفسهم، ولو رجع هؤلاء إلى أنفسهم فتتبَّعوا معايبَها لوجدوا فيها من العيوب أضعافَ ما يُنكرونه على الناس، قال تعالى ?عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ? [19] قيل فى تفسيرها: لا تَطلبْ إصلاحَ غيرِك وفى نفسك بقيَّةٌ تحتاج إلى إصلاحِها، ويتمُّ صلاحُ المجتمع بصلاحِ الفرد، وقد عاتب المولى من اشتغلَ عن إصلاح نفسه بإصلاح الناس فى قولِه ?أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ? [20]. وعن السيدة أم الدرداء رضى الله عنها أنها قالت (من وعظ أخاه سرَّا فقد زانه ومن وعظه علانيةً فقد شانه) [21] كما قال بعضهم (من نصحَ أخاه فى ملأٍ فقد فضحَه ومن نصحَه سرًّا فقد نصحَه) ولقد أوصانا الحبيب صلوات الله عليه بسترِ بعضنا البعض، وعن الحبيب المصطفى أنه قال مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا [22] ورضى الله عن الإمام الشافعى حيث قال: تَعَمَّدنى بِنُصْحِكَ فى انْفِرَادِى فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ وَإنْ خَالَفْتنِى وَعَصَيْتَ قَوْلِى

وَجَنِّبْنِى النصيحةَ فى الجماعة من التوبيخِ لا أرضى استماعه فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَة

وعن دور تربية النشأ فى بناء مجتمع سليم هيَّأَ المولى عزَّ وجلَّ الطفل لقبول التعليم وقيل التعليم فى الصغر كالنقش فى الحجر، وقد أوصانا حبيبنا المصطفى بالعناية بتربية أبنائنا فقال ?أَدِّبُوا أَوْلاَدَكُمْ عَلَى خِصَالٍ ثَلاَثٍ: عَلَى حُبِّ نَبِيِّكُمْ، وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِى ظِلِّ اللهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ? فَهَلاَّ أخذتُم هذه الوصية فى أغلى ما عندكم، أرى أبناءً ترعرعوا فى بيت عامر بالمحبة ولم يتعهَّدهم آباؤهم بذلك، نسوا أن يُرضِعوهم هوى آل أحمد، نسوا أن من يعيشُ حولهَم قد تدنَّسوا بأفكار المنكرين، نسوا أن حولهم كثيرٌ من المنحرفين. ولقد أوصيتُكم سابقا بل أوصاكم سيدى ومولاى الشيخ إبراهيم بتربية النشأ والاهتمام بهم لأنهم عصبُ الأمة، فلينظرْ كلُّ والد ووالدة وكلُّ مربٍّ فاضل إلى هذا الحديث بعين الاعتبار، ويراعى وصية الحبيب فى تربية أبنائه. الحضور الكريم .. لقد أوصانا الإمام فخر الدين بأن ننهل من محضِ المحبة والصفا، وبتعمير الأوقات بالأوراد، وليِن القول فى حضور الصالحين، ونهانا عن التدخُّل فى شئون الآخرين، لأن اللسان سبع عقور، وهل يكبُّ الناس فى النار على مناخرِهم إلا حصائد ألسنتهم، وبَشَّرَ من رضع هوى آل أحمد بأن ثمارَ هذه الرضاعة وراثة الرحمة والصفا، بل أين أنتم من هذه الوصايا والمواعظ التى أكرمنا بها الله تعالى ووصفنا فقال ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ? [23]. لقد استْشرَى فى هذا الزمان داءُ التكفير المصحوب بالعُنف من قبل جماعاتٍ وصفتْ نفسَها بأهلِ السنَّةِ والجماعة، أو ما يُسمَّى بالتكفيريين، فكفَّروا الحكَّامَ المسلمين لأنهم لم يحكموا بما أنزل اللهُ تعالى، وكفَّروا العلماءَ المسلمين لأنَّهم أنكروا عليهم أفعالهم، وكفَّروا عامَّةَ المسلمين لأنَهم رضوا بأن يُحكموا بغيرِ ما أنزل اللهُ تعالى، وكأنَّ التاريخُ يُعيدُ نفسَه. ونَستَلهِمُ حادثةَ الخوارج مع الإمام على كرَّم الله وجهه لما قالوا (لا حُكمَ إلا لله) فقال (كلمة حقٍّ يُراد بها باطل) وأدَّى هذا بهؤلاء إلى إراقةِ دماءِ الأبرياء وإحراق مقاماتٍ لرجالٍ أفنوا أعمارَهم فى الدعوةِ إلى الله تعالى وإصلاح شأن الأمَّة، مُنتهكين حُرمةَ الموت، وقد انساق هؤلاء وراء فكرةٍ مُقتضاها أن الحقَّ اليوم للقوَّة، وبأنَّ القوى هو الذى يُسمع منه ويُخشى جانبُه، مفسِّرين آيات الكتاب على هواهم من غير علم بالتفسير وما ينبغى أن يتسلَّح به المفسِّر من التَّضلُّع فى علوم الشريعة وعلوم العربية الذين بدونهما لا يأمنُ المرءُ من الخطأ فى فهم معانى القرآن، فيَضلَّ هو ويُضِلّ غيرَه، وهذه الجماعة هى التى استَعْدَت علينا الغرب بما تجنح إليه من العنف والتعدّى، فتعطيهم المسوِّغات لتخريب بلادنا وفرض العقوبات علينا وسدِّ كل السبل التى تؤدى إلى تقدُّمنا ورفعتنا. ونحن هاهنا بين جماعتين متطرَّفتين، هذه الجماعة التى تتدثّر بالدين وتدَّعى الوِصايةَ على المسلمين، وفئةٍ أخرى سادرةٌ فى هواها اتَّبعت سبيل الغى، بدعوى التحضُّر والاتِّباع الأعمى لمساوئ الحضارة الغربية، فضعف عندها الوازع الدينى، فلجأت لتعاطى الكحول والمخدرات وهذه أمُّ الكبائر، فزاد معدَّلُ الجرائم التى هَتَكَتْ نسيج المجتمع، فأصبح واهيا لا يتيسَّر معه رقى ولا تطوُّر، فيُحكم على البلد أن يظل فى الحضيض، وانتشرت البطالة وهى داءٌ عضال وكم من شباب تناهبتهم أيدى البطالة فلجأوا إلى الجريمة أو قعدوا بالطريق يتعرَّضون لأعراض المسلمين ويهتكون الأعراض، أو يرتادون أماكن اللهو والخلاعة التى تسلب أنفسَهم محاسنَها، كما أنَّ انشغال الآباء عن أبنائهم بالسفر فى طلب المعاش قد ترك الأسرة من زوجة وأبناء بلا رقيب يقوم عليهم، ولا هادٍ يهديهم فيفسِدون ويفسدون غيرَهم، ولا يخفَى علينا أن كلا الجماعتين يتمُّ اختراقُها من قبل أعداء الإسلام على اختلاف مللِهم، والكفرُ ملَّةٌ واحدة، فيزيِّنون لهم الباطل حتى يحسبوه من الحق، ويحملونهم على معاداةِ أوطانهم وتخريبِها، كما نشهد فى كلِّ قطر عربى من انفراطاً للأمن واعتداءً على الأعراض وترهيباً للناس وتخريباً للممتلكات ونحن الخاسرون.

أيها الأحباب .. مرت السنون والذكرى تتوالى للإمام فخر الدين وانتقى لنا الشيخ كنزا من نفائس الدُّر، وما كان منا إلا التوانى ولم يكن من شيمته العتب، وما كان منه إلا سخاء الكف، ولو رعيناها بالتدارس كما أَمَرَنَا مرارا لجنينا منها ثمارا يانعة، نهتدى بها فى حوالك الأمور، كما قال: تُضَاءُ بِهَا الْحَوَالِكُ مِنْ عُجَابٍ

لِتَهْدِيَكُمْ إِذَا مَا اللَّيْلُ جَنَّ كما نجده لم يكتفِ بالتدارس بل طالبنا بالفقه فيها فقال: وَحَيْثُ عَلِمْتُمْ فِقْهَهَا فَهْىَ حُجَّةٌ

وَحَيْثُ جَهِلْتُمْ عَوْرَةً تَسْتُرُونَهَا ولم يأتِ الفقه منها إلا عن دراسة مستفيضة لا قراءة عابر مستعبر، وها نحن نراه يرسم لنا أول الطريق فى الفقه بقوله: وَمَنْ يَنْسِبْ إِلَى الْقُرْآنِ عِلْمِى

وَأَقْوالِى يُفِيدُ وَيَسْتَفِيدُ ففى القرآن تخليص الرقاب، وقد أوضح لنا الإمام الشيخ إبراهيم طريق الفقه (عن طريق السند، والبعد عن الهوى، والقول بالرأى) وعدم التعلل بأن كل شخص له مرآته التى يرى بها المعانى. ولو تأملنا فيما تركه لنا من تراث أيضا لِيُعَرِّفْنا مدى حرصه على ما ذكرنا، فنجده جمع كتابيه (تبرئة الذمة وإنتصار أولياء الرحمن) وأشار فيهما إلى من يجب أن نستند إليهم، وعن القرآن أوضح لنا قنواته التى نستقيه منها -دون التفسير بالهوى- والرجوع إلى أماجد الأعلام لنستند إلى أقوالهم فى كتاب الله وما أشاروا به من حقائق ودقائق جلّت عن الأفهام. فمن قال فى القرآن قولاً يوافق هواه، ولم يأخذه عن أئمة السلف وأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه. وكم حذرنا من الهوى والخوض فقال (ففيئوا فالهوى أهوى كثيرا) وقال أيضا (فهذى لا يجوز الخوض فيها).

أبنائى وبناتى .. يشهد العالم اليوم أولى الخطى فى سبيل التغيير نحو تحقيق الأفضل، والبعض لا يستوعب التغييرَ بل يخافه ويخشاه، ويرى فيه خروجاً عن دائرة الاتزان والاستقرار، ومخاطره غير مأمونة، إن التغيير يحتاج الى الثقة بالنفس وبالآخرين، وإذا أردنا أن نخطوَ نحو مستقبل مشرق وجب علينا وبكل عزم وثبات أن نعمل بكل جد وإصرار، للانتقال من مرحلة التخلُّف والتبعية إلى مرحلة الوحدة وتطبيق وترسيخ منهج العدل والإحسان. إن أمتنا الإسلامية بكلِّ ما تمتلكه من ثروات وموارد اقتصادية وبشرية هائلة، وإمكانات مادية ضخمة، يمكُّنها أن توفِّر كلَّ أسباب المدنية الحديثة وبناء مجتمع مسلم معاصر وطموح، ولكن أكثر قضايانا تكمن من عدم الوفاق والوحدة، والإسراف والتردد، فمهما امتلكنا من ثروات وموارد، إلا أنه بدون دراسة وتخطيط وتدبير تضيع جلُّ الثروات، بل ما هو أكثر وأهم من ذلك وهى فرصة تطوير الذات. وكثيرا نحاول تبرير الفشل والهزيمة، والذى يخسر معركة ليس يعنى خسارة الحرب، فكان لنا أن نبدأ، ونأخذ دورنا فى تسوية طريق الأمة الإسلامية، ببناء وتحرير وصناعة الإنسان، ليكون قادراً على تحمل مسؤولية البناء، وإحراز النصر والتقدم. إن مسؤولية صناعة الإنسان المسلم بمواصفات تُساير وتُواكب متطلبات العصر يكون من أولوياتنا، فلابد لنا من تشمير سواعدنا، والبدء من منطلق إيماننا بأن التغيير لا يحتاج إلى عصيان مدنى، وتخريب وتفريق وتشتيت، وحرائق ومظاهرات وأعمال شغب وبلطجة، بل يحتاج إلى الكثير من العمل الدَّؤوب والجهد والتنسيق الفعَّال، بين كلِّ الأوساط والوسائط التربوية الإجتماعية فى المجتمع، بحيث تُصبح مسؤولية إعداد الإنسان العصرى لا تقتصر على الدراسة أو الأسرة بشكل خاص، بل بمشاركة المؤسسات الإجتماعية والإعلامية والثقافية والتعليمية والجامعية، والإذاعة والتليفزيون والمسرح ودور العبادة، بحيث تنصبُّ جميعها فى إعداد وإنتاج وتنشئة وصناعة ذلك الإنسان بشكل متكامل. ولكى يتم التغيير فلابد من حدوث ثورة أكبر فى داخل أعماقنا على أعقابها تنتصر الإيجابيات وتتقهقهر أمامها جميع السلبيات، ليتفجر منها منهج التربية القويم بمعناه الواسع لكى يتم على أثره بناء مجتمع إنسانى متكامل، قوامه الإلتزام بروح العمل الجماعى، متحلياً بمكارم الأخلاق، وليس مع المسلمين فحسب بل مع سائر الناس أجمعين. كما أن هناك قُوى عظيمة زوَّدنا بها المولى عزَّ وجلَّ كامِنةُ فى أنفسِنا، إذا حرَّكناها بالمجاهدة والإرشاد السليم، على يد خبير عارف، تغيَّرت أحوالنا إلى ما نصبو إليه من رضا ربِّنا وصلاح أحوالنا، وقد قال رسولُ الله (لو تعلَّقت همَّة أحدِكم بالثريا لنالَها). وبهذا أوصانا الإمام فخر الدين بقوله: ألا إنما يسرى المُريد على يدى ومن قبسِ النورِ المُبين بقبضتى أيا نفس هل أنت المُعينُ على الهدَى

وكلُّ فتىً ينأَى فليسَ بسالكِ يُضاءُ سبيلُ السيرِ من كلِّ حالكِ ولو بقليلِ العونِ لست إخالك ونعمُ الوصية لو وَجَدَتْ سامعاً فَهِماً.