الخطاب الذى وجهه مولانا الإمام الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ الطريقة الى الأمة الإسلامية مساء الأربعاء الرابع من شهر أبريل عام 2013
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الكبير المتعال الذى فى محكم تنزيله قال ?وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ? [1] وأجمل الصلوات وأجل التسليمات على الكامل المكمِّل للأكامل، سيد الخلق بالكامل وكلٌ فى شفاعته آمل، كافل اليتامى وعصمة الأرامل، وآله الأطهار من عنهم الرجسُ راحل، وأصحابه المقربين والأبرار من عليهم متنزل الرحمات سابل، القائل فيهم (خيرُ القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) قد كتبوا التاريخ بأفعالهم وأخلاقهم فمازالت أسماءهم بيننا وذكرهم ذكرٌ بل وفيه عمارةُ الأوقات. .. أما بعد .. الجمع الكريم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحن فى زمان تكاثرت فيه الهموم وتفرَّعت حتى ضاق عنها الحصر فأستميحُكمُ العذر فى أن آخذ من كلِّ شئ بطرف، فإن المقام يضيق عن إيفاء كلِّ مسألة حقَّها والله المستعان .. فعن الاتباع وليس الابتداع: يقول الحق تبارك وتعالى ?النَّبِى أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا? [2] يقول الإمام ابن عجيبة فى تفسيره: ?النَّبِى أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ? أى: أحقُّ بهم فى كل شئ من أمور الدين والدنيا، وحكمُه أنفذُ عليهم ?مِنْ أَنْفُسِهِمْ? فإنه لا يأمرهم، ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحُهم ونجاحهم، فيجب عليهم أن يبذلوها دونه، ويجعلوها فداءً منه، وقال ابن عباس وعطاء: يعنى إذا دعاهم النبى إلى شئ، ودعتهم أنفسُهم إلى شئ، كانت طاعةُ النبى أوْلَى. أو .. هو أولى بهم، أى أرأف وأعطف عليهم، وأنفع لهم، كقوله ?بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ? [3] وفى الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: ما من مؤمن إلا وأنَا أوْلَى الناس به فى الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم ?النبى أوْلَى بالمؤمنين من أنْفُسِهِمْ? فأيُّمَا مُؤْمِن هَلَكَ وتركَ مالاً؛ فلورَثَته ما كانوا، ومَن تَرَكَ دَيْناً أو ضَيَاعاً فليَأتنى، فإنى أنا مَوْلاه. فمتابعته عليه الصلاة والسلام، والاقتباس من أنواره، والاهتداء بهديِه، وإيثارُ محبَّتِه، وأمرُه على غيره؛ لا ينقطعُ عن المريدِ أبداً، بدايةً ونهايةً؛ إذ هو الواسطةُ العُظمى، وهو أوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم وأرواحهم وأسرارهم، فكل مدد واصل إلى العبد فهو منه، وعلى يده، وكل ما تأمر به الأشياخ من فعل وترك فى تربية المريدين، فهو فرعٌ مما جاء به، وهم فى ذلك بحسَبِ النيابة عن النبى؛ لأنهم خلفاء عنه، وكل كرامة تظهر فهى معجزة له، وكل كشف ومشاهدة فمن نوره. [4] وقال تبارك وتعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا? [5]. وقال جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد: أولو الأمر هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين والفضل، يُعلِّمون الناس معالم دينهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، دليله قوله تعالى ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ ... ? [6] قال أبو الأسود: ليس شئ أعز من العلم، الملوك حُكَّام على الناس، والعلماء حُكَّام على الملوك. وأولو الأمر عند الصوفية هم شيوخ التربية العارفون بالله، فيجب على المريدين طاعتُهم فى المَنْشَط والمكره، وفى كل ما أمروا به، فمن خالف أو قال (لِمَ) لَم يَفلح أبدًا، ويكفى الإشارة عن التصريح عند الحذَّاق أهل الاعتناء، فإن تعارض أمر الأمراء وأمر الشيوخ، قدَّم أمرَ الشيخ، إلا لفتنةٍ فادحة، فإن الشيخ يأمر بطاعتِهم أيضًا لما يؤدى من الهرْج بالفقراء، فإنْ تنازعتُم يا معشر الفقراء، فى شئٍ من علم الشريعة أو الطريقُ، فردُّوه إلى الكتاب والسنُّة، قال الإمام الجنيد t: طريقتنا هذه مؤيدة بالكتاب والسنة. [7] قَرَنَ طاعة الشيخ بطاعة الرسول تفخيماً لشأنه ورفعاً لِقَدْرِه، وأمَّا أولو الأمر -فعلى لسان العلم- السلطان، وعلى بيان المعرفة العارفُ، والشيخُ (أولو الأمر) على المريد، وإمامُ كلِّ طائفةٍ ذو الأمر عليهم، ويقال الولى أولَى بالمُريد (من المُريد) للمريد. [8] ويقول تبارك وتعالى ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ • لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? [9]. ومن آداب الفقراء مع شيخهم ألا يتحرَّكوا لأمر إلا بإذنه، أما أهل البدايات فيستأذنون فى الجليل والحقير، كقضية الفقير الذى وجد بَعْضَ البَاقِلاَّءِ أى الفول، فى الطريق، فأتى بها إلى الشيخ، فقال: يا سيدى ما نفعل به؟ فقال: اتركْه حتى تُفْطرَ عليه، فقال بعض الحاضرين: يستأذنك فى الباقَّلاء؟ فقال: لو خالفنى فى أمرٍ لم يفلح أبداً. وأمَّا أهل النهايات الذين عَرَفوا الطريق، واستشرفوا على عينِ التحقيق، وحصلوا على مقام الفهم عن الله، فلا يَستأذِنون إلا فى الأمر المُهم؛ كالتزوُّج والحجِّ ونحوهما، وَصَبْرُهُ حتى يأمره الشيخ بذلك أولى.
أيها الأحباب .. يقول الحق سبحانه ?إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ? [10] فكان من أسباب المعيَّة تعظيمُ أمره سبحانه، ومن الإحسان الشفقة على خلقه، كما هو حال ساداتنا أئمة الصوفية رضوان الله عليهم أجمعين، أصحاب الذوق الرفيع والمقامات العالية على مر العصور، نراهم ينشدون الأحسن فى كل شئ، ففى الدعوة إلى الله عملوا بقولِه جلَّ وعلا ?ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ? [11] فكانت سماحةُ دعوتهم وحسن مقالهم هو سمتُهم ودأبهم الذى عُرفوا به بين الخلق، ولا تجد للعنف أو العداوة والبغضاء سبيلا إليهم، وكان نِبراسهم فى إرشاد الخلق قوله سبحانه ?وَلا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ? [12] فبينما احتكم الناس فى زكاتهم إلى الدنيا وعرضها الزائل من أموال وغير ذلك، نراهم يحتكمون إلى تزكية اللطيفة الإلهية فى الإنسان ألا وهى الروح، كما قال الإمام فخر الدين: وَإِنْ زَكَا النَّاسُ فَالدُّنْيَا حَكِيمَتُهُمْ
فَلِى مَقَامٌ بِهِ الأَرْوَاحَ زَكَّيْتُ
وقال أيضاً: إِنِّى أَسُومُ الرُّوحَ فِى مَلإٍ عَلاَ
غَيْرِى يَسُومُ بَهِيمَةَ الأَنْعَامِ وكما أن الهمة العالية تجعل صاحبها تَوَّاقاً إلى كل ما هو بعيدٍ وغالٍ، فقد عملوا بحديث المصطفى (إنَّ أحبَّكم إلىَّ وأقربَكم منّى فى الآخرة أحاسنُكم أخلاقاً) [13] ولم يفُتْهُم فى طلب المحاسن أن يمتثلوا إلى قول الحبيب المحبوب عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ [14] فسمَوا بأرواحهم عن النقائص والذنوب والآثام ولم ينشغلوا بها وأصحابها وانشغلوا بالذكر عما سواه، ونَحَوا أنفسهم جانباً والتزموا قول الحبيب طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبَهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ [15] ولنا فى سيدى فخر الدين المثل والقدوة فنجده اختار لنا الأحسن -أيضاً- فى منهجه المضمون حين قال: وَاجْعَلْ وَسِيلَتَكَ الإِمَامَ وَأُمَّهُ
الأَحْسَنَيْنِ مُرَادَ أَهْلِ السَّلامَةِ ومن النماذج الخالدة فى سيرة آل البيت رضوان الله تعالى عليهم ما سلكه الحسنان فى الإرشاد عن طريق الموعظة الحسنة، فهاهما يضربان لنا المثل والقدوة فى تعليم الناس وتربيتهم، وهذا حينما رأيا رجلا لا يحسن الوضوء فلم يقولا له (اذهب وأحسن وضوءك) بل طلبا منه أن يكون حكماً بينهما فيمن هو أحسنُ وضوءاً من أخيه. فلو نظرنا إلى المعنى الذى وراء هذه القصة، لعَلِمنا ما يرجُوه هؤلاء القوم منا، من عفَّةِ لسان ومكارم أخلاق واحترام الإنسان لأخيه، والتماس العذر له، وقد أوصى الإمام على بالدعاء لأهل الآثام والنظر إليهم بعين الرحمة لأن الله عزَّ وجلَّ هدانا وابتلاهم، وقال (فلعله مغفورٌ له كبيرُ ذنبه ولعلَّك معذَّب بصغير ذنبك). وقد تخلَّقوا بالصفح امتثالاً لقولِه تعالى ?فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ? [16] بل بغية المؤمن الذى يدعو الله دائما ويقول ?رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذينَِ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا? [17]. فَحَيَّا اللهُ عَبْدًا ظَنَّ خَيْرًا
فَبِالصَّفْحِ الْجَمِيلِ قَدِ اشْتَهَرْتُ فقد جُبلت القلوب على حبِّ من أحسن إليها، وقد ورِث القوم التسامح عن النبى وقد تجلى هذا فى أخلاقه مع المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب، وقد تنبأ بفتح مصر وأوصى من سيفتحونها بالقبط خيرًا فقال (إذا فتحتم مصرَ فاستوصَوا بالقِبط خيرًا، فإنَّ لهم ذمَّةً ورَحمًِا). وشملت سماحته اليهود على شدَّة عداوتهم له؛ فعندما قُتل سيدنا (سهل) فى خيبر، وذهب أهل سيدنا سهل إلى رسول الله وقصوا له الخبر بأن أخاهم قُتل فى حى اليهود، وسألهم من قتله؟ فقالوا: لم نقتله ولا نعلم قاتله، ولمَّا أمرهم بالدّية أقسموا أنهم لم يقتلوه ولم يعلموا من قتله، فرضى بقَسَم اليهود، وفى سبيل حقن الدماء وعدم إهدار دم سيدنا سهل، فقد فداه من إبل الصدقة. ويقول الإمام القرطبى: فعل ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته وجلباً للمصلحة ودرءًا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق. ولا ننسى أنَّ كثيراً من أهل الشرك دخلوا فى الإسلام لِما رأوا من صفحِه وسماحته. وقال القاضى عياض: هذا الحديث أصلٌ من أصول الشرع وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخَذَ جميعُ الأئمةِ والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا فى صور الأخذ به. ولو تتبعنا المعاهدات التى صدرت عنه لوجدنا فيها ضروباً من التسامح والموادعة والمساواة. فكمْ من مُشكلاتٍ أمثالِ عظام الجبال تُحلُّ بالصفح الجميل فما ضرَّ لو بات المحبُّ وقد عفا؟ فإن فى التظالم بؤرة الإظلام، وهل تُسرُّ نفوسُ المحبين إذا باتت مغاضبةً، فتتولد منها جفوة تقطع الأرحام.