أبنائى وبناتى .. عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله فى حجة الوداع: ألا أخبركم بالمؤمن؟ مَنْ أَمِنَهُ الناس على أنفسهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانهِ ويدِهِ، والمجاهد من جاهد نفسه فى طاعة، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب? [15] ويقول الإمام فخر الدين: الْوَقْتُ فِى سُنَنِ الْعِبَادَةِ قَدْ فَنَى وَأَنَا بِقَوْلِى مُنْذِرٌ وَبَشِيرُ والوقت لا يعود إلى الوراء، فالمال يذهب ويرجع، والصحة تذهب وتعود، ولكن لا يمكنك أن تعيد الزمن مرة أخرى، لذا عليك بعمارة وقتك إما بالنوافل لأن الفرائض لا تغطى اليوم كاملاً، أو السعى فى حاجة أهلك، أو حاجة من يحتاج مساعدتك، فإن الله فى عونك مادمت فى عون أخيك، وتلك هى البشرى، أما الإنذار: فعن سيدنا معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ?ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها?. وَلْتَعْمُرُوا الْأَوْقَاتَ بِالذِّكْرِ الَّذِى يَشْفِى الصُّدُورَ فَتَصْطَلِى بِغَرَامِى وعليك أن تعقل الكلام قبل أن تتفوه به، فقد كان مولانا الشيخ إبراهيم محمد عثمان عبده البرهانى يقول: إن الله قد خلق لك أذنين مفتوحتين فاسمع ما شئت، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وخلق لك لسان واحد ووضع عليه قفلين، أحدهما من العظم وهى الأسنان، وآخر من اللحم وهما الشفتان، ففكر مرتين قبل أن تتكلم حتى لا تندم، لأن الكلمة لا يمكن استرجاعها. وكذلك إذا أُتيحت لك فرصة لخدمة الدين أو خدمة الناس، فلا تتردد ليس خوفاً على الدين فإن الله مؤيده برجالٍ لخدمته، ولكن خوفا عليك أنت من أن تُحرم من فرصةٍ أتيحت لك وأضعتها بيدك، ولا يمكنك استرجاع هذه الفرصة مرة أخرى، وخذ من شبابك إلى هرمك، ومن قوّتك إلى ضعفك، ومن صحتك إلى مرضك، وهذه الأمور لا تدع فيها منطق عقلك يُثنى عزمك عن المجاهدة، فإن العقل لا يُدْرِكْ إلا بالحواس ولا تنسى أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى. رِفْقًا بِعَقْلِكَ ذَاكَ مَا حُمِّلْتَهُ كُنْ رَاحِمًا فَالْخَيْرُ لِلرُّحَمَاءِ يصعب على الإنسان الاعتذار عن الخطأ، إلا إذا عرف قيمة ما يجنيه من الاعتراف بهذا الخطأ، ويندم على الفرصة بعد ضياعها، ويحاول تداركها ولو بعد فواتها لِعلمِهِ بقيمتها، ويسعى لاسترجاع شبابه الذى مضى دون رجعة، ووقته الذى أفل دون استغلال، مع علمه باستحالة ذلك. أبنائى وبناتى .. إن أُس الرضاء فى التسامح، وأُس البلاء فى التشاحن، وكم من ليلة ذَكَرت السُنّة النبوية أن من أفضالها أن الله يغفر فيها لكل مسلم إلا المتشاحنين، فلِما تحرم نفسك من ليالى المغفرة والجود والرحمات؟ وتغلق أبواب قلبك عن التسامح الذى هو من شيم العظماء؟ فسيدى فخر الدين يقول: بَيْنَ الرِّجَالِ عُرِفْتُ بِالصَّفَحَاتِ فهلا تذكرت حسنات أخيك عندما ذَكرت سيئاته، حتى ولو لم يكن له حسنات -وهو ضرب من الخيال- فما الذى يضيرك أن تعطى مَنْ حَرَمَك، وأن تعفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، خَبّرْنَا بالله عليك ما هو الضرر الذى يقع عليك إن فعلت ذلك مع كل خلق الله؟ مَا ضَرَّ لَوْ بَاتَ الْمُحِبُّ وَقَدْ عَفَا إِنَّ التَّظَالُمَ بُؤْرَةُ الإِظْلامِ كن شجاعاً ضد نفسك، فالكيس من دان نفسه ورجع عن خطأه وأقر بذنبه فى حق أخيه، والأكثر شجاعة هو من استكان لثورة غضب أخيه، وخضع له باللين من القول حرصاً على أخوته وصحبته، فالكلام اللين يَغْلِبُ الحق البَيّن، وأصحاب الهمم العالية مقاماتهم فى الخلق سامية. فيجب عليك الترفع عن الصغائر والتجاوز عن الخلافات، وعدم انتهاك الحرمات، ومساعدة الضعيف ونصرة المظلوم، وعلى الثائر النظر إلى نفسه نظرة نقد وحساب كى لا يقع فى نفس الأخطاء التى وقع فيها من كانوا قبله حينما كان زمام الأمور بأيديهم، وإلا فما الفرق بين هذا وذاك. شَأْنُ الْكِرَامِ عَنِ اللِّئَامِ تَرَفُّعٌ هِىَ ذِى بِحَقٍّ شِيمَةُ الْعُظَمَاءِ لقد سأل الصحابة رسولَ الله مَنْ هؤلاء الذين ذَكَرَ اللهُ إن تَوَلّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثم لم يكونوا أمثالنا؟ قال: وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبِه فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَخذَ سَلْمَانَ وَقَالَ هَذَا وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ [12]. والصحابى الجليل القعقاع بن عمرو وهو الذى قال فيه سيدنا أبو بكر الصديق: صوت القعقاع فى الجيش خير من ألف رجل. وهذا سيدنا أبو أيوب الأنصارى وقد قارب الثمانون من العمر يخرج للجهاد بِفَرَسِهِ وسيفه ودرعه، أىُّ هِمَّة هذه التى لا تطاولها همة؟!! أُبَارِكُ بِاسْمِ اللهِ فِى كُلِّ هِمَّةٍ رَوَافِدُ مَدِّى مِنْ عَظِيمِ الرَّوَافِدِ فقد يجد الجبان مائة حل لمشكلته ولا يعجبه سوى حل واحد منها وهو الفرار والركون للرقاد، ولكن انظر قول سيدنا خالد بن الوليد سيف الله المسلول على الأعداء وسيف الهمة المسلول على الجبناء لقد شهدت مائة زحف أو نحوها وما فى بدنى موضع شبر إلا وبه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشى كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء والحق كل الحق والصدق كل الصدق ما قاله سيدى فخر الدين: وَذُو جَلَدٍ فِى كُلِّ أَمْرٍ مُكَابِدِ وَيُحْمَدُ عِنْدَ اللهِ عَبْدٌ مُجَاهِدٌ
وكل عام وأنتم بخير وَصَلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ? ? ?
[1] أنظر الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى دلائل النبوة وكنز العمال. [2] الحج 32 [3] الحج 36 [4] سنن ابن ماجه. [5] صحيح البخارى. [6] الحج 30 [7] البقرة 248 [8] آل عمران 159 [9] سنن الترمذى وأبو داود وابن ماجه. [10] آل عمران 104 [11] ابن عساكر فى كنز العمال. [12] سنن الترمذى. [13] الاوسط والصغير للطبرانى وجمع الجوامع للسيوطى. [14] مسند أحمد. [15] سنن ابن ماجه.