أبنائى وبناتى .. يقولُ الحقُّ تباركَ وتعالى فى محكمِ آياته ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? [10] ولذلك إذا أردت أن تكون مِنَ المفلحين فلابد أن تتفاعل مع المجتمع الذى تعيش فيه، سواء كان صغيراً كالأسرة والقرية أو الحى، أو كان كبيراً كالدولة بل والعالم بأسرهِ، ولا تكن مشاركتك كلامية فقط بالنقد أو المدح أو ادّعاء انشغالك بالعبادة عن أحوالِ الناس. يقول رَسُولُ اللَّهِ (لا تكونوا عيابين ولا مداحين ولا طعانين ولا متماوتين) [11] والمُتَماوِتُ: من صفةِ العابد المُرائِى. ولا تدعى انشغالك بالنهى عن المنكر بتتبع عورات الناس لتفضحهم وتكشف ما ستره الله، فعن ابن عمر قال: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلا تُعَيِّرُوهُمْ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِى جَوْفِ رَحْلِهِ [12]. ولا تكن ممن لا يثبت على رأى، فيكون مرة مع هذا، ومرة مع ذاك، وذلك لضعف رأيه، فقد نهى الحبيب عن تلك الفعلة فقال لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا. وعلى الإنسان أن يخرج من أنانيته والعيش لنفسه فقط دون أن يكون إيجابياً وفعالاً، فعن سيدنا حذيفة t قال قال رسولُ الله (مَنْ لم يهتمْ بأمرِ المسلمين فليس منهم ومَنْ لم يصبحْ ويمسِ ناصحاً للهِ ولرسولهِ ولكتابهِ ولإمامهِ ولعامةِ المسلمين فليس منهم) [13]. فالإنسان لابد أن يكون فى خدمة المجتمع وليس لذاته فقط وأن يعمل مِنْ أجل المبادئ الإنسانية الخيِّرة فى شتى المجالات حسب تخصصه، فالطبيب لماذا لا يُخصص ساعات من وقته للكشف ووصف الدواء لسكان حيِّه دون مقابل، والمدرس لماذا لا يساعد الطلبة من أبناء قريته بدون مقابل، والأمثلة على ذلك كثيرة. ولنوسع الدائرة أكثر، ماذا عن النساء والأطفال الذين يُقتلون فى مناطق عديدة من العالم فى الحروب العِرقية أو العنصرية الدينية، لماذا لا نساعد فى إسكانهم ومطعمهم وملبسهم، بل لماذا لا نقوم برفع المستوى الثقافى عند المرأة فى تلك المناطق المتخلفة حضارياً، لتتبنى هى بعد ذلك تثقيف أطفالها ضد العنصرية البغيضة، سواء كانت عِرقية أو دينية، فإن معظم هذه الحروب تقوم على أساس يَخفى عن المتحاربين أنفسهم، فالنار يُشعلها أصحاب المصالح الاقتصادية وتجار أسلحة الدمار الشامل، فكم من سرقات لثروات الشعوب تحدث أثناء انشغال أهل البلد فى حربهم، وكم من تجارب للأسلحة الكيماوية والجرثومية، يتم تجربتها -بعد انتاجها فى الدول التى تدعى أنها دول متحضرة- على المساكين من النساء والأطفال أثناء انشغال الرجال فى التقاتل مع بعضهم البعض، متفاخرين بأسلحة فى أيديهم وليس على أجسادهم ما يواريها من العرىْ، ولو أنفق ثمن هذا السلاح لكفاهم طعاماً وشراباً ولباساً، بدلاً مِنْ مَد أَكُفّ الضراعة لاستجداء المنظمات الدولية لإيواء الفارين من مناطق الحرب، وتلك المنظمات لا يقل دور بعضها خطورة عن تجار السلاح. لماذا لا نتكاتف جميعاً فى مواجهة نفاق الساسة وسماسرة الإعلام، الذين يقلبون الحقائق رأسا على عقب، لإقناع شعوبهم بما يخدم نزواتهم وأفكارهم، غير مكترثين بما يحدث لأبناء وطنهم، كأن الله خلق الناس ليكونوا عبيدا للحكام، ويروج لهذا أجهزة الإعلام التى تزين للناس أنهم فى رغد العيش، ويشغلوهم بتفاهات من الأخبار وإثارة الفتن وبالتخوف من حين لآخر كى ينخدعوا عن أحوالهم وحقوقهم. ثم نقف سويا أمام حرمة الأموال العامة، وجمال الطبيعة للبيئة المحيطة بكل منا، لأن المصالح والمؤسسات والمركبات العامة، والمدارس والمستشفيات والحدائق والشوارع ملك لنا وليست لفرد بعينه، أى أنها ملك للمجتمع الذى تعيش فيه، فلا ترضى بالقذارة والقمامة بالشوارع، ولا تساعد على اتساخها، بل على شباب الأحياء والقرى تنظيف وتجميل مساكنهم وعدم الاعتداء على حرمة الطريق، وبدلا من أن تقطف وردة أعجبتك ازرع ورودا وزهورا سواء أمام بيتك أو فى حديقة عامة وقم برعايتها كى تسعد الآخرين، وتجمل بلدك فلا تؤذى ناظريك على الأقل، وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ? [14]. ليس المهم أن تعمل فحسب، بل تجعل عملك لوجه مأمون الجناب خالصاً ليس فيهِ رياء، وهو الشرك الخفى الذى حذّر منه الحبيب المصطفى، فعن شداد بن أوس أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيئا سمعته من رسول الله يقوله فذكرته فأبكانى، سمعت رسولَ الله يقول أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِى الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلا قَمَرًا وَلا حَجَرًا وَلا وَثَنًا وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ. ويحكى ابن جرير أن رجلاً دخل إلى المسجد النبوى فصلى ركعتين سريعتين وهَمَّ بالخروج، فناداه أمير المؤمنين عمر وقال له: أعد صلاتك، فأعاد الرجل وصلى فأطال، فلما فرغ من صلاته سأله سيدنا عمر: أى الصلاتين أفضل؟ فقال الرجل: الأولى، فسأله سيدنا عمر لماذا؟ فقال الرجل لأنها كانت لوجه الله خالصة، أما الثانية فقد أَطَلْتُ فيها خوفاً منك، فضحك سيدنا عمر وأقره على كلامه.
أبنائى وبناتى .. ولنعرج بعد هذا إلى الفن الذى إذا تحدثت عنه فى هذا الزمان انصرفت الأذهان فقط إلى المعازف ومزامير الشيطان، وهنا نسأل أليس هناك من الفنون غير تلك المعانى الرخيصة؟ فأصناف الفنون كثيرة كأصناف العلوم، أليس الرسم والمسرح والموسيقى والغناء والتصوير فيه ما أقره المصطفى وفيه ما نهى عنه، إن الفنون الخَيرة على اختلاف ألوانها هى الروافد الفاعلة المؤثرة التى تُثرى وجدان الثقافة وترتقى بالمجتمع وتسهم فى إعادة بنى الإنسان. فانظروا قول سيدنا أنس ووصفه دخول الحبيب المدينة فيقول: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله، حتى جعل الإماء يَقُلْنَ: قَدَمَ رسولُ الله. وخرجت جوارى من بنى النجار يضربن بالدف ويَقُلْنَ: يا حبذا بمحمد من جار نحن جوارى من بنى النجار وجاء وفد من بنى النجار متقلدين سيوفهم ويمشون حول النبى وصاحبه. وفى رواية أخرى قال: لما كان اليوم الذى دخل فيهِ رسولُ الله المدينة أضاء منها كل شئ وصعدت ذوات الخدور على الأجاجين يَقُلْنَ: وجب الشكر علينا ما دعى لله داع جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير ساع طلع البدر علينا من ثنيات الوداع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع فقال (أتحبوننى)؟ قُلْنَ: نعم يا رسول الله، فقال إن قلبى يُحِبُّكُن وفى رواية (الله أعلم أن قلبى يحبكم). ويدل لذلك أيضاً ما جاء عن ابن عباس مرفوعا أن أصحاب النبى جلسوا سماطين وجاءت جارية يقال لها سيرين معها مزهر تختلف به بين القوم وهى تغنيهم وتقول: هل علىَّ وَيحكم إن لَهَوْتُ مِنْ حَرَجٍ فتبسم النبى وقال لا حرج، وما روى عن السيدة عائشة قالت: دخل علىَّ أبو بكر وعندى جاريتان من جوارى الأنصار يغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث، قالت وليستا بالمغنيتين فقال أبو بكر أمزمور الشيطان فى بيت رسول الله وذلك يوم عيد، فقال رسول الله دعها يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا. وهذا الحبيب المصطفى يسمع إلى شعر أمية بن أبى الصلت من الصحابى السائب بن يزيد ويستمع من الخنساء فى المسجد وحينما تتوقف يقول لها إيه يا خناس. وهناك الكثير والكثير فى هذا المجال المختلف فيه عند الناس، فما بالك من القياس على الرسم والمسرح وسماع الموسيقى وخلافه من أنواع الفنون، التى تُنَمِّى الإحساس عند الناس وترتقى بأذواقهم بدلاً من تَحجُرهم وتبلد أحاسيسهم، ألم يستمع الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان إلى جاره المغنى بل وضمنه وأخرجه من السجن حين شكاه جيرانه؟ ألم يكن الإمام أبو إسحاق الموصلى من أساطين العزف على العود، وكان يبدأ مجلسه فى الحديث الشريف بالعزف ساعة على عوده ثم يبدأ فى روايته للحديث الشريف؟ ولنستمع إلى قول شيخنا أبى العينين: بِجَنْكٍ وَطَنْبُورٍ وَقَانُونِ مُزْمِرٍ وَعُودٍ وَسَنْطِيرٍ إِلىَ حَضْرَةِ القُدْسِ وسيدى فخر الدين يقول: وَأَعْزِفُ أَلْحَانِى فَيَطْرَبُ عَاشِقِى وَأُوقِدُ مِشْكَاةَ الْمُرِيدِ بِلَمْعَتى