خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 18

الخطاب الذى وجهه مولانا الإمام الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ الطريقة الى الأمة الإسلامية مساء الأربعاء السادس من شهر أبريل عام 2012

الحمدُ للهِ فى كمالِ أفعالهِ، جَلَّت أسماءُهُ وَتَقَدَّسَت صفاتُه، وتعالت ذاتُه عن كُلِّ وَهمٍ وفَهم، وعن كلِّ منقولٍ ومعقول، فله الحمد كما يليق بجلالِ وجهه وعظيمِ سلطانه، والصلاةُ والسلامُ تعظيماً لحضرةِ جناب نَبِيّه، وتفخيماً لشأنِ شرف صَفيّه، حَبِيبُهُ المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، والهادى إلى الصراطِ المستقيمِ، وآله وصحبه الكواكب الدرية ذوى المفاخر السنية والأقدار العلية .. وبعد ..

الحضور الكريم ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن أول ما بُعِثَ بهِ الحبيبُ المصطفى ودعا الناسَ إليهِ هو كلمة التوحيدبل وظل ما يَقْرُب من اثنى عشر سنة يُرَغِّبُ الناسَ فيها، ونجد الآياتِ المكيةِ كانت على كلمةِ التوحيد مشتملات، ذلك لأن التوحيد هو ركن العقائد فى هذا الدين المتين، وبعد ذلك بدأ التنزيل الحكيم لتنظيم العبادات والمعاملات، يتخللها القَصص والحِكَمْ من السابقين، أنبياء ومرسلين وصالحين عليهم السلام أجمعين، والتوحيد ليس من النقاطِ الخلافية بين المذاهب على الإطلاق، وكلمة التوحيد ثابتة لا تتغير بأحكامِ الزمان والمكان كما أشرنا فى خطابِنا العام الماضى، ومما دعانا للرجوع إلى ذلك إنما هو تعمد البعض تغيير (كلمة التوحيد) بالكلية أو بالأحرى اختصارها وقصرها، ولنرجع بالتاريخ إلى أبو البشر سيدنا آدم، فعن سيدنا عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد إلا غفرت لى؟ فقال الله: يا آدم وكيف عرفتَ محمداً ولم أخلُقُهُ؟ قال: يارب لأنك لمّا خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك، ورفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضفْ إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلىَّ، ادعنى بحقه فقد غفرتُ لك، ولولا محمد ما خلقتك) [1] أى أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله وهى الباب الوحيد للدخول فى دين الإسلام، لكن بعض المتوهمين قصروا التوحيد على النصف الأول من الشهادة، أى كلمة لا إله إلا الله بل وقسّموها إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد للأسماء والصفات، أى أنهم حذفوا النصف المكمِّل لكلمة التوحيد، ألا وهو محمد رسول الله وإذا قلنا معاذ الله بتوحيد الربوبية فمعنى ذلك أن هناك أرباب متعددة توحدوا فى رب واحد، وكذلك للألوهية أن هناك أكثر من إله وتم توحيدهم، وهذا هو الشرك بعينه، والتوحيد هو الجمع فى العقيدة بين الكلمتين لجعلهما كلمة واحدة متصلة غير منفصلة، فكلمة لا إله إلا الله وحدها "تهليل أى ذكر الاسم الله منسوباً إلى الألوهية، وكلمة محمد رسول الله إقرار برسالة الحبيب المصطفى، والتوحيد دائماً وأبداً هو الجمع بين الكلمتين فى كلمة واحدة، ألا وهى كلمة التوحيد". فَيَا مُرِيدِى هُوَ التَّوْحِيدُ مَشْرَبُنَا وَغَايَةٌ فِى صُدُورٍ رَبُّهَا قَبِلَ

أبنائى وبناتى .. ننتقل بعد ذلك إلى أمرٍ شَغل العامة والخاصة، بل صالَ وجالَ فيهِ منْ هُمْ ليسوا بفرسان ذلك الميدان، ألا وهو تعظيم الشعائر والحرمات فقد قام بعض ذَوِى النفوس المريضة بالاعتداء على بعض مقامات ساداتنا ومشايخنا أولياء الله الصالحين، بل تطاول أقزام الباع والهمم فى ساحات المولد النبوى الشريف على القبة الخضراء ودعا إلى هدمها، ومما زاد الأمر أسفاً أن بعض المسئولين وصف ذلك بأنه حرية رأى وهذا القول قد رفضه كل العالم الإسلامى، حينما أراد أن يبرر رئيس الوزراء الدنماركى الرسوم المسيئة التى ظهرت بالصحف، بأنها حرية رأى فكيف نقبل ذلك من مسئول فى بلاد اشتهرت بين العالم الإسلامى بحب المصطفى، ونقول للجميع إن تعظيم الشعائر والحرمات أمرٌ نص عليه الكتاب العزيز فقد قال تبارك وتعالى ?وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? [2] فالكعبة والصفا والمروة من شعائر الله وتعظيمها يدل على تقوى القلوب، بل جعل الله احدى الأنعام من شعائر الله بقوله ?وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ? [3] وأولى بتلك الحرمة الصالحين وآثارهم، فعن سيدنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلا خَيْرًا [4] أى أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من الكعبة، فما بالكم بحرمة الصالحين الصديقين الذين هم فى أعلى مراتب الإحسان؟ وما بالكم بحرمة الأنبياء، ثم حرمة الرسل الكرام، وأعلى من ذلك حرمة أولى العزم. وأخيراً فما بالكم بحرمة سيد الخلق أجمعين والهادى إلى الصراط المستقيم سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين. فكيف يجترأ أُناس على قباب الأولياء الذين حَرَّم الله عداوتهم، بل بَرَزَ لحربِ مَنْ حاربهم، ألم يقل فى حديثهِ القدسى [مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ]؟ [5] ألم يقل ?وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ? [6] فما بالكم بحرمة رسول الله وحرمة قبته الشريفة؟ أَوَصل الأمر فى آخر الزمان إلى هذا الحد، بالمطالبة بهدمها، أيظنون أن الحق ليس له أهل يزودون عنه بسواعدهم ورقابهم ودمائهم؟ بل انظروا إلى قول الحق تبارك وتعالى?وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ? [7] قال أهل التفاسير: أنهم كانوا إذا قاتلوا أحداً مِنَ الأعداء، يكون معهم تابوت الميثاق فكانوا يُنصرون ببركتهِ، وبما جَعَلَ الله فيهِ مِنَ السكينة، والبقية مما ترك آلُ موسى وآلُ هارونَ هى: عصا وثياب ونعلا سيدنا موسى وسيدنا هارون، ولوحين من التوراة، فانظروا أيها الأحبة بما يُنصرون على الأعداء، فحقاً صلوات ربى وسلامه عليه سَيِّدًا: سَيِّدًا لَمْ تَزَلْ وَغَيْرُكَ زَالُوا وَجَمِيعًا إِلَى جَنَابِكَ آلُوا

أبنائى وبناتى .. نعرج بعد هذا على أمرٍ مِنْ الأمورِ الحَيَاتِيّةِ المهمةِ فى الدين وهو أمر الشورى، فالبعض قد ربط مفهومَ الشورى بمفهومِ الديمقراطية الحديثة، وهذا خلطٌ بين المعقول والمنقول، فالديمقراطية تعنى أن لكل فرد حق فى إبداء رأيه، فإن سَلَّمنا بصحة هذا المفهوم، فلابد أن نُمَيِّزَ بين إبداء الرأى وفرض الرأى، ومع ذلك فالشورى بخلاف ذلك، لأن المشاورة تبدأ مِنْ وَلِىِّ الأمر الذى يَطرحُ الأمرَ للشورى أولاً، وثانياً يشاور أهلَ الاختصاص وليس كل الجماعة، وثالثاً يقرر وحده حتى ولو كان القرار بخلاف رأى المستشارين، ولنوضح ذلك فيما يلى?فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? [8] هذا نص الشورى فى الكتاب الكريم، فإن الشورى أمر يُقَرِّبُ الناسَ مِنَ الخليفةِ، مِنْ بابِ الرحمة واللين، وهو الذى يشاورهم وليسوا هم الذين يفرضون عليه الأمر، ولنراجع معاً هذا الموقف من السنة المطهرة فى غزوةِ بدر الكبرى، حينما جَاءَ النبىُّ ونَزَلَ عِنْدَ أوَّل بئر، وجَاءَ الحبابُ بن المنذر وقال: يا رسول الله أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللهُ فلا قول لأحد، أم هى الحرب والمكيدة؟ قال (لا، بل هى الحرب والمكيدة) فلو قال الحبيب هو أمرٌ بَطُن، فما كان للحبابِ أن يتكلمَ، بل قال نَنْزِلُ قبل البئر نشربُ منها ونمنعهم بعد أن فتح له رسول الله باب المشورة. الأمر الثانى: أن الشورى تكون لأهل الاختصاص، كما كان فى غزوةِ الأحزاب، حينما قال المصطفى ?حَتَّى أُشَاوِرَ السُّعُودَ? أى سادة أهل المدينة، لأنهم أهل الدار وأدرى بأحوال ديارهم، ولم يشاور المهاجرين. الأمر الثالث: فالشورى غير ملزمة لأن الآية لم تقلْ وإذا عزمتم فتوكلوا بل جَاءَ الأمرُ بالإفراد ? ... فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? [8] وهكذا نجد الصديق أوَّل خلافته حينما بدأت أخبار الردة تتوارد على المدينة، اجتمع كبار الصحابة وقرروا عدم إنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى تخوم الروم وأرسلوا سيدنا عمر بن الخطاب بقرارهم إلى الخليفة أبو بكر بمشورة وقرار الصحابة، فما كان من الصديق إلا أن مضى فيما عزم عليه الأمر وهو محاربة المرتدين. إن مفهومَ سنة الخلفاء الراشدين مفهوم فقهى لذلك قال عَليْكُمْ بسُنَّتِى وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّيِنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ [9] بمعنى أن العضَّ بالنواجذِ يكون على سنةِ الخليفة الذى أنت فى عصرِهِ، وعدم الاعتراض عليه بحجة التمسك بسُنة مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الخلفاء، وللتدليل على صحة هذا المفهوم نجد أن رسول الله لم يأمر الناس بصلاة القيام فى المسجد، بل قال خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا [5] ومضى على تلك السُنة الخليفة الأوَّل، ولكن الخليفة الثانى جمع الناس لها بالمساجد بل وزاد فيها، فهل سيدنا عمر مخالف لسُنة من قبله؟!! ولَمَّا رجع سيدنا عبد الله بن مسعود مِنَ الشامِ، فى خلافةِ سيدنا عثمان، فطاف بالبيت وصلى ركعتين، فقال له رجل: إن عثمان يصلى أربع بعد الطواف، فاسترجع ابن مسعود وقال: كنا نصلى ركعتين على عهد رسول الله وأبو بكر وعمر، ثم قام فأتم أربع ركعات. وهذا سيدنا خالد بن الوليد سيف سَلَّهُ رسولُ الله على أعداء الله، وجاهد فى الله وفُتِحَت البلادُ على يَدَيْهِ، وعزله الفاروق دون إبداء الأسباب ولم يشاور أحداً، وأرسل له سيدنا أبو عبيدة بن الجراح ليعزلَهُ، ويُقَسّمْ عليهِ مالهُ الذى هو مغانمه، فنجد أن سيدنا خالد يقول السمع والطاعة. نَزَلَ الصَّحَابَةُ عِنْدَ حُكْمِ مَلِيكِهِمْ غَنِمُوا وَكَانَ الرِّفْدُ وَالإِرْفَادُ