إننا لا نهاجم ولا ندافع ولكننا نريد إيضاح السبيل وعلى الله القصد ومنه الجود والمنة. إن النصوص المستخدمة فى الدعوة إلى الله، من آى الكتاب العزيز وأحاديث الذى لا ينطق عن الهوى، مقدمة على الفهم، أى أن الفهم والعقل يَتْبعُ النص، والفهم لابد أن يكون فهماً فقهياً وليس فهماً منطقياً، بمعنى أن الفقه مربوط بأسباب نزول، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، ومطلق ومقيد، وما إلى ذلك من باقى علوم الفقه، كما أن هناك شئ يغفل عنه بعض الدعاة، وهو فقه الزمان والمكان وعقول المخاطبين. فالدين له وجوه عدة حينما تريد النظر إليه لا النظر فيه، فهو مراتب (إسلام وإيمان وإحسان) لمن أراد أن يرتقى فيه، و (فرائض ونوافل ومشاهدات) لمن أراد أن يأخذه بحقه، ثم أن الدين (عقائد وعبادات ومعاملات) لمن أراد أن يتفقه فيه ثم يدعو إليه. • العقائد فى الدين: هى الشهادة لله الذى ليس كمثله شئ يحيط بالزمان والمكان، ويسعهما بأسمائه وصفاته، ولا يسعها شئ من خلقه إلا قلب عبده المؤمن اللين الوادع، بأنه لا معبود بحق سواه، وأن سيدنا محمد هو عبده وأول خلقه، وخاتم رسله، والعقائد من الثوابت التى لا تتغير بتغير الزمان والمكان. • العبادات: تتغير بتغير الزمان والمكان، فالصلوات المفروضة خمس ولكن تختلف فى مواقيتها وعدد ركعاتها، بين حضر وسفر، وصحة ومرض، ووضوء وتيمم، وكذلك الصيام بين قدرة وطاقة، وسفر وحضر، وبلاد لا تغيب فيها الشمس، وبلاد لا تظهر فيها، واستخدام التوقيت بالساعات دون متابعة لطول الظل وقصره، أو النظر للشفق، كذلك يختلف وجوب الزكاة على المسلم بأنواعها، كاشتراط النصاب، ومرور الحول، وكذلك الحج وربطه بالإستطاعة. • المعاملات: كذلك تتغير الأحكام فى المعاملات كالبيع والشراء، والزواج والطلاق، والدَّين والميراث وما يتعلق به. وأين ما ملكت أيمانهم الآن؟ وهل الجهاد فريضة على كل مسلم الآن؟ وضد من؟ وتحت راية من؟ كذلك الحديث عن الحلال والحرام، أليس تغير الظرف يجعل الحرام حلالاً فى حال الإضطرار والخوف من الهلكة؟ أليس الكذب على الأعداء فى حال الوقوع فى الأسر حلالاً؟!! لقد غير الإمام الشافعى فتاويه، فى نفس المواضيع التى أفتى بها فى العراق، بعد ذهابه إلى مصر والإقامة بين أهلها، وهو المشهور بالمذهبين الجديد والقديم، بل أننا نجد فى كل المذاهب، رأى صاحب المذهب وآراء المتقدمين والمتأخرين من تلامذته. أليس الدين كله واجبات ومندوبات ومستحسنات؟ أليس من واجب الداعية مراعاة هذا الأمر، وأن لا يرفع بالمستحسن إلى درجة الواجب؟ وماذا عن المؤلفة قلوبهم فى زماننا هذا؟ هل يُعاملون بنفس ما نتعامل به فى بلادنا دون مراعاة أنهم حديثى العهد بالإسلام؟ يجب على الوعاظ والدعاة أن يتفقهوا بفقه النص، واستيعاب العقل له، وليس تطويع النص لمنطق العقل. أيها الأحباب .. قال سيدى فخر الدين: فغدوا إخوة وعم الإخاء
نفع الله بالنفائس قوما فالإخاء يُبْعِد الفرقة ويقصى العداوة والبغضاء، وينبت ثمار المحبة فى القلوب، ويجعلها مستعدة للنقاء والصفاء، وقال الزمخشرى: محك المودة الإخاء حال الشدة دون حال الرخاء. وسَأَلَ يوما سيدنا على بن أبى طالب ابنه سيدنا الحسن عن الإخاء فأجابه قائلاً: المواساة فى الشدة والرخاء. ولنتذكر أول ما فعله المعلم الأول لهذه الأمة، حينما قَدِم إلى المدينة، ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وقد روى أبو داود فى سننه أن النبى قال الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ فِى حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ونظر يوما سيدنا أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان فى فدان، فوقف أحدهما يحك جسمه فوقف الآخر، فبكى سيدنا أبو الدرداء وقال: هكذا الإخوان فى الله يعملان لله، فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر. وقال إبراهيم النخعى لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غداً. وحُكِىَ عن أَخَوَيْن من السَلَف انقلب أحدهما عن الاستقامة، فقيل لأخيه ألا تقطعه وتهجره؟ فقال أحوج ما كان إلىَّ فى هذا الوقت، لما وقع فى عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له فى المعاتبة وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه. وقد قيل: من سامح سومح. ولعل أعظم ما نجنيه من ثمارٍ لتآخينا، أن التآخى هو شكرٌ للنعمة التى نحن فيها، فقد قال الإمام فخر الدين والتآخى شكر نعمتنا. من كل ما تقدم .. فإن حبنا لسيدى فخر الدين الذى احتوانا بحبه فأحببناه واحتويناه، البعض منا وهو من عرف مسلك الحب احتواه بقلبٍ ساجد، والواحد صاحب الشهود والمشاهد احتواه بفؤاد شهيد وعلى قلوب الأحبة شاهد، ولَمَّا سُئل مولانا الشيخ إبراهيم عن معنى قول سيدى فخر الدين فاسألوه النجاة من يوم حشر قال: أى أحبوه (يحشر المرء مع من أحب) ونَخلُص من كل هذا إلى القول السديد: حوانى فؤاد شاهد بالتجلة
حوتنى قلوب تعرف الحب مسلكا وكل عام وأنتم بخير وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ? ? ? [1] المائدة 54 [2] البقرة 165 [3] طه 39 [4] رواه الغزالى فى الإحياء وابن الأثير فى النهاية والترمذى الحكيم فى نوادر الأصول عن بكر بن عبد الله المزنى. [5] البخارى ومسلم ج 2 ص 443 [6] البخارى ومسلم عن أنس [7] ابن أبى الدنيا فى الإخوان ج 1 عن أبو بكر بن عياش. [8] أخرجه أبو داود والترمذى عن أبى هريرة. [9] أخرجه أحمد 3/ 425 [10] الأعراف 32 [11] رواه أبو يعلى الموصلى. [12] الطبرانى من حديث كعب بن عجرة. [13] رواه الديلمى. [14] مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 197 [15] مروج الذهب ج 1 ص 343 من شرح نهج البلاغة ج 18 ص 326 [16] الخيرة المهرة ج 2 ص 418 رواه مُسَدَّد ورجاله ثقات. [17] الحج 46 [18] الطبرى والقرطبى والنسفى من قول مجاهد وخالد بن معدان.