خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 14

الخطاب الذى وجهه مولانا الإمام الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ الطريقة الى الأمة الإسلامية مساء الأربعاء الثامن من شهر أبريل عام 2010 بسم الله الرحمن الرحيم الأحباب من كل مكان .. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .. وبعد ..

الحمدُ لله بارئ الأرواح والنسم، ومقدر الأرزاق للأمم، القائل فى محكم الكتاب ?وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ? [1] والصلاة والسلام على خير الأنام كاشف الضر ومزيح السقام، أحمد المحمود المخصوص بالذات من الأزل إلى الأبد، فكل راجٍ يرتجيهِ لا يُرد، القائل ?خيرُ القرون قرنىِ ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يَلُونهم? [2] والقرون ليس المقصود منها الأيام والسنون، ولكن يقصد بها من عاش فيها من آدميين، لأن الحضارة تكون فى أسمى معانيها حينما يكونُ الخُلُق الكريمُ سيداً فيها، ومَن غير الحبيب المصطفى الممدوح بكلام الله العظيم فى القرآن العظيم ?وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ? [3] وهو صاحب الرسالة الخاتمة الذى أجمل وصفها بقوله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [4] وتمام مكارم الأخلاق هى الحضارة بعينها، لأن المدنية والتقدم فى العمران وما يتبعها من ترفٍ فى وسائل العيش والراحة، إذا كانت بلا أخلاق فهى الجاهلية بعينها، بل أن البَدَاوة خيرٌ منها مع شَظف العيش [5] وكما قال المتنبى:

حُسْنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ وفى البَدَاوةِ حُسْنٌ غَيرُ مَجْلوبِ

ولذا كان حضور الحبيب فى ذلك القرن مصحوبا بالأعلام من أهل بيته أوانى الإمداد ذوى الهمم العالية، والرواد من الصحابة الكرام ذوى الأخلاق السامية، إعلاماً للخَلق بدولة الحضارة الأخلاقية، التى انطلقت منها الحضارة العلمية فأنارت المشارق والمغارب.

ثم كانت الموالاة بالقرن الذى يليهِ من التابعين والذى يليهِ من تابعى التابعين، فتزايدت الحضارةُ نضارةً بالسير على خُطى السابقين، متبعين غير مبتدعين، فإذا تم فتح أرضٍ جديدة، كانت الأخلاق الحميدة، أسبق من السيوف قتالاً ضد الجاهلية الأخلاقية، وكانت العبادات وسيلةً للوصول لكل فضيلة، ولم تكن غاية، وإلا كانت البداية لطريق الغواية.

أيها الأحباب ..

يقول الحق سبحانه ?لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ? [6] قال الإمام ابن عجيبة فى تفسيره: أى لا ينهاكم عن البِر بهؤلاء المشركين وتقضوا إليهم بالعدل ولا تظلموهم، فإذا نهانا الحق سبحانه عن الظلم فى حق المشرك، فكيف فى حق المسلم؟!! ورُوِى أن «قُتَيلةَ بنت عبد العزى» وهى مشركة جاءت زائرةً بنتها «السيدة أسماء بنت الصديق» بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول، فنزلت هذه الآية، بل وأمرها رسولُ الله أن تقبل الهدايا منها وتُكْرِمهَا وتُحْسن إليها.

قال الإمام القشيرى: مَن كان فيهم حُسن خُلق أو للمسلمين منهم رِفْق، أُمروا بالملاينة معهم، وشاهد هذه الجملة قوله (إنَّ الله يُحب الرِّفق فى الأمر كله) [7] وهذا فيما لا ضرر فيه للمسلمين.

وقال (بُعثتُ بمداراة الناس) [8] وأورد البيهقى أن سهل التسترى قال:

إن مداراتهم صدقة، ومداراة الوالد فريضة، ومداراة ذوى الأرحام سُنة، ومداراة السلطان طاعة، ومداراة أهل البدع مداهنة.

أيها الأحباب .. انظروا إلى قول الحق سبحانه لسيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام، عندما ذهبا إلى فرعون وهو يدعى الألوهية، ورغم ذلك أمرهما سبحانه بملاطفته فقال ?فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا? [9].

وقد عَدّ الإمام السهروردى فى «الآداب» مِن رُخص الصوفية:

التكلُّف مع أبناء الدنيا والرؤساء والسلاطين والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب فى ذلك ألاّ يكون طمعاً فى دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم، فكان يَدخل عليه سادات قريش فَيُكرمهم، ويُجِلَّهم، ويُحسن مجالستهم، وبذلك وصَّى رسول الله حيث قال (إذا أتاكم كريمَ قومٍ فأكرِموه) [10].

وكذلك معاملة الملوك والوُلاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، وقد قال (السلطان ظل الله فى الأرض فمن أكرمه، أكرمه الله، ومن أهانه، أهانه الله) [11] به تَسكُن النفوس، وتُجمع الأمور.

وكما قال سيدى إبراهيم الدسوقى، صاحب الطريق الذى نهتدى بأنواره فى دياجير الجهل الأخلاقى 'إذا جئتم بالأقوال وجاء العجم بالأفعال فهم أحق بمحمدٍ منكم'.

والأفعال هى التخلق بما جاء به الحبيب، والأقوال إنما هى التشدق والتعلق بما قال، ولذا وجدنا سيدى فخر الدين مولانا الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى قد رفع راية العلم مع الأخلاق جنبا إلى جنب، فما كان منه إلا قول عليم وفعل حليم، وسار على دربه إمام حكيم، هو مولانا الشيخ إبراهيم الذى قال فى خطابه السنوى عام 2003:

(ومَن قال أن دَور رسول الله قد انتهى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى فقد ضل ضلالاً بعيداً، والعياذ بالله، ونحن هنا نُذَكِّر الأمة ببعض وظائف الحبيب التى وردت فى آية واحدة من الذكر الحكيم، الذى نزل إجمالهُ وتفصيلهُ على الحبيب، ومن أجل الحبيب، إذ يقول عز من قائل ?يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا • وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا? [12] فالشاهد على الأمة كيف تَصِح شهادته على أمتهِ وقد انقطعت صلتهِ بموتهِ؟!! ومَن قال أن السراج المنير الذى يستمد نوره من النور الإلهى يُطفأ ?وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ? [13].أهـ

ولذا .. بدأت الحضارة الإسلامية فى الإزدهار فى ظاهر الأمر، بعد أن امتلأت القلوب والأرواح بالحضور الأخلاقى للأنوار المحمدية، ونَضحت على الأبدان تصرفاً وسلوكاً.

وخلاصة ما ذكره ابن خلدون قال:

بَعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب إقليدس، وبعض كتب الطبيعيات، فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها، وازدادوا حرصا على الظَّفر بما بقى منها.

وجاء الخليفة هارون الرشيد من بعد ذلك، وكانت له فى العلم رغبة، فأوفد الرسل إلى مَلك الروم، فى استخراج علوم اليونانيين، وانتساخها بالخط العربى، وبعث المترجمين لذلك، فأخذ منها واستوعب، وعكف عليها النُظار من أهل الإسلام، وحَذقوا فى فنونها، وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها.

وكان من أكابرهم: أبو نصر الفارابى، وأبو على بن سينا فى المشرق، والقاضى أبو الوليد بن رشد، والوزير أبو بكر بن الصانع بالأندلس، وقد بلغوا الغاية فى هذه العلوم، وقد أجزل الرشيد العطاء لكل كاتب يُؤلف تأليفا يَفُوق فيه عما وصل إلى أيدى الناس من العلوم المترجمة، فقد رصد وزن الكتاب بالذهب العراقى الخالص. أهـ

وظهور الحضارة كما قلنا ليس وليد الصدفة أو الإجتهاد بل لها قواعد تأسست عليها، وَلْنذكر بَعض الأمثلة على ذلك:

لما قَدِمَ هارون الرشيد المدينة بَعث البَرمكى إلى الإمام مالك، وقال له: قُل له احمل لى الكتاب الذى صنفته حتى أسمعه منك، فوجد من ذلك الإمام مالك واغتم، وقال للبرمكى أَقرئه السلام وقل له: إن العلم يُزار ولا يَزور، وإن العلم يُؤتى ولا يَأتى.

وذُكر أن يهودياً كانت لهُ حاجةً عند هارون الرشيد، فلم يقضِ حاجته، فوقف يوماً على الباب، فلما خرج هارون وقف بين يديه وقال: اتقِ الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته وخر ساجداً، فلما رَفَع رَأسه أمر بحاجتهِ فَقُضِيَت، فقيل له: يا أمير المؤمنين، نزلت عن دابتك لقول يهودى! قال: تذكرت قول الله تعالى ?وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ? [14].

ومن تلك الأمثلة نرى كيف كان خُلق الرشيد مع القرآن بالرغم أن الذى أمره بتقوى الله يهودى، وكيف احترم عالم المدينة ورأيه وهو أحد رعاياه، هذا هو الخُلُق الذى كانت به حضارة قلب الرشيد وروحه، فسمت الحضارة الإسلامية على يديه فى العلوم والصناعات والفنون، ولكن كيف السبيل إلى ذلك فى زماننا؟ فنجد السبيل فى كلمة لمولانا الشيخ إبراهيم حيث قال:

المشايخ هم الخبراء الذين يوصلون الناس إلى بر الأمان، وهم الذين يَسوقون الأرواح إلى الملأ الأعلى، مع كل التوفيق فى حياتنا العملية.

فالمشايخ هم الذين يعطون المريد نوراً فى القلب الذى يستطيع أن يسير به فى ظلمات الأرض، كما قال تعالى: ?أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ? [15] فيترحل المريد إلى التنوير ثم إلى الكشف، كما قال تعالى ?فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ? [16] ثم يترحل إلى الفتح ثم الفتح المبين، كما قال سبحانه ?إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا? [17].

وهكذا عندما يتتلمذ المريد على يد شيخ مرشد، يفتح الله عليه بشتى أنواع العلوم الإلهية والمعارف الربانية، حتى يتعلم العلم اللدنى الوهبى .. وقد قال أحد الصالحين:

أخذتم العلم من ميت عن ميت .. أما نحن فأخذنا علمنا من الحى الذى لا يموت.

وكما قال سيدى فخر الدين واصفاً شيخه الدسوقى أبو العونين:

إِنَّهُ الْمَأْمُولُ عِنْدِى سِرُّهُ كُلُّ رَاجٍ يَرْتَجِيهِ لا يُرَدْ

فإن كان هذا هو مفهوم الحضارة، فما الذى يَهْوِى بالإنسان من قمم الحضارة إلى قاع التخلف؟

إن المتأمل للتاريخ البشرى، يجد أول جريمة بسبب رغبة قابيل فى أخذ ما ليس من حقه بالقوة، وهو اعتداء على حقوق الآخر، وكان هذا الآخر أخيه هابيل، وكان أول اعتداء على الحقوق فى تاريخ البشرية.

وفى ظل التشابك فى الموضوعات والقوانين الدينية والمدنية، وفى ظل اختلاف القيم والعادات والتقاليد والأعراف الحديثة، اختلط الأمر على الناس ليس فى تطبيق القانون فحسب، بل فى طرق الإثبات، بل فى تجريم الفعل ذاته.

ولكن الفطرة السليمة تأبى الظلم، وتأبى أخذ حقوق الغير، من مالٍ أو نفسٍ أو بدنٍ بالقوة، أو الإعتداء عليه نفسياً أو بدنياً، سواء بالقوة أو التحايل، وتلك دائرة ثابتة المركز ونُسميها (الإنسانية) ومهما طال القُطر أو قصر أو اختلف، فإنك داخل محيط الدائرة ذاتها، كاختلافنا فى التفاصيل أو الأولويات، ولكن المبدأ لا خلاف عليه، كقتل النفس أو تعذيب الطفل أو الاعتداء على النبات والحيوان.

وتزامناً مع تطبيق النظريات وعمومها ظهرت الفجوات، فحاول أصحابها إيجاد حلول واهية بالتحدث والتشدق بحقوق الإنسان، وحقوق المرأة وحقوق الطفل، إلى آخر تلك الحقوق التى نظموا لها الدساتير وأسسوا لها المنظمات، ولكنها بمثابة السُم فى العسل، فمنظمات حقوق الإنسان كان الخصم فيها هو الحكم، يفرق بين إنسان وإنسان آخر، وحقوق المرأة لا يقابلها حقوق للرجل، وحقوق الطفل فى الرضاعة الطبيعية يقابله حق المرأة فى إرضاعه صناعيا إذا خافت على جمالها وأناقتها، فأى حقوقٍ تلكَ التى أعطت الإنسان كفالة كلب والإنفاق عليه بدلاً من كفالة يتيم.

ولكنا نقول كما قال سيدى فخر الدين الحق واحد هو (الحق فى الله) ليس هناك حقوق للمرأة أو الإنسان أو الحيوان، فتجزئة الحق هروب من حضارة الأخلاق، أنظروا إلى حق الجار الذى قد يكون على دين غير دينك، أو على خلاف معك لأى سبب من الأسباب، فكل هذا لا يمنعك من تأدية حقه، وقد قال الحبيب المصطفى (أتدرون ما حق الجار؟ إن استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته) [18].

هذا هو حقه فى الله بغير علة ولا سبب، لأن العلل والأسباب قد تنفى الحق وتعطيك العذر بعدم قيامك بهذا الحق، كما قال الإمام فخر الدين: