وَيَصْغُرُ فِى عَيْنِ الأَكَابِرِ كُلُّ مَنْ يُكَابِرُ جَهْلاً فِى شَرَائِعِ رَبِّهِ
وقد قال مولانا الشيخ إبراهيم فى خطابه عام 2001: اخوانى .. اخواتى .. أبنائى وبناتى ..
ونحن نعبر إلى الألفية الثالثة .. إلى عصر العولمة الثقافية حيث زوال الحدود أمام الفكر الإنسانى، وزوال سيطرة الدولة وسيادتها على الثقافة والعلوم, فإننا نجد أن مواجهة الغزو الفكرى، وإدارة عمليات الحوار الثقافى والحضارى، تتطلب نهجاً دقيقاً ومتقناً، يُمكِّننا ليس فى مواجهة ذلك الغزو الفكرى فحسب، وإنما يعمل على تنظيم بعثاً حضارياً، يعكس الهدى النبوى الشريف ليزيل أستار الظلام فى تلك الأصقاع من العالم، ويؤسس لبناء عالم تَسوده المحبة والألفة والعدل ... أهـ
ونحن إذ نضرب الأمثلة من الهدى النبوى للوصول إلى البعث الحضارى، لتوحيد الحقوق لتصير حقا واحدا، هو (الحق فى الله) للوصول بالأخلاق إلى مرتقى الحضارة الحقيقية وإزالة غُمة الجهالة المستترة بالمدنية الزائفة.
فعَنْ سيدنا أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ قَالَ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِى هِرَّةِ رَبَطَتْهَا، فَلاَ هِى أَطْعَمَتْهَا وَلاَ هِى أرْسَلَتْهَا تَأَكلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ [19].
وعن سيدنا أبى هريرة أن رسول الله قال (بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى بلغ بى، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب فشكر الله له فغُفر له، قالوا: يا رسول الله إن لنا فى البهائم لأجراً؟ فقال فى كل ذات كبد رطبة أجر) [20].
أليست هذه الحقوق مجتمعة للإنسان والحيوان بل وفى كل ذى كبد رطب فى صعيد واحد، وانظر إلى التابعين كيف كانوا يطبقون تلك الحقوق.
فها هو سيدى أحمد الرفاعى قد ترك الطريق السهل الممهد لكلب وسار فى الوحل، ولما سأله مريدوه لما فعلت ذلك؟ قال لهم (من ظن أنه أفضل من الكلب فالكلب أفضل منه).
كما أن الحبيب كان يسأل أسرى الحرب أن يفتدوا أنفسهم من الأسر بأن يعلموا أحد المسلمين القراءة والكتابة، التى هى بداية الرقى والحضارة والتعامل السمح بين الناس، الذى جعل الأسير والمحارب السابق يعلم من أسره، فتنشأ بينهما علاقة على أساس من المودة وعرفان الجميل، ويمحى ما كان بينهم من عداوة وبغضاء.
ولقد أظلنا زمان اختلط المعقول بالمنقول فحار أرباب الألباب، فذا شح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذى رأى برأيه، كما قال سيدى فخر الدين:
مِنْ عَجِيبِ الْعُجَابِ فِى أَهْلِ عَصْرِى أَنَّ مَنْ يَجْهَلِ النَّصِيحَةَ يُسْدِى
ولكن النصيحة لله ورسوله والعظة والعبرة لمن اتعظ واعتبر، ما الحب سهلٌ والتمحيص سُنة الله فى خلقه، حتى الأنبياء والرسل، فسيدنا يوسف عليه السلام قد مرت عليه إمتحانات عديدة، فمن الجب، إلى فتنة زوجة العزيز، إلى السجن، حتى جاء خروجه من السجن، للإستعداد لتمحيص السبع العجاف، التى سوف تعصف بأقوات الناس، ولذا استعد من أيام الرخاء لأيام الشدة، وأعد لها العدة بصبر وجلد وتوكل على الله، فمرت عليه السبع الأولى فى الإعداد للسبع العجاف التى استطاع أن يعبر بالناس فيها دون أن يقنط من رحمة الله، فالقنوط من الرحمة يؤدى بمن لا عقيدة له إلى الإنتحار هربا من سئ إلى أسوأ، أما المؤمنون فيشمرون عن سواعد الجد بالذكر والصلاة على الحبيب وحسن الإعتقاد فى الله ورسوله، ومشايخهم الذين انتشلوهم من غياهب جب الغفلة ومن دياجير الجهل إلى منابع العلم والذكر، بدلا من أن ينسب إليهم عيوبه وأخطاءه وفيه يتحقق قول الإمام الشافعى:
نَعِيبُ زَمَاننا والْعَيبُ فينَا وَمَا لِزَمَاننَا عيبٌ سِوَانَا
وليعلم الجميع أن قول الحبيب حق، وهو مظلتنا إلى الله الحق، وأن المريد الحق هو المؤمن الحق، كما أخبر الحبيب (الإيمان نصفان نصف فى الصبر ونصف فى الشكر) [21] أى أن الضجر ليس من صفات المؤمن بل إنه من سوء الظن والعياذ بالله، وسوء الظن يؤدى بصاحبه إلى نكران الجميل كما قال الحبيب (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) ويقول الإمام فخر الدين:
أَلا إِنَّ نُكْرَانَ الْجَمِيلِ كَبِيرَةٌ كَذَلِكَ دَعْوَى الْعِلْمِ أَقْبَحُ تِرَّةِ
ولذا نرفع بأكفٍ ضارعةٍ وقلوبٍ خاشعةٍ خاضعةٍ (حسن الظن بالله) شعاراً لنا مِلؤ أفئدتنا، فتنضح ألسنتنا به بين اخواننا وأهلينا، فالوهاب يعطى بلا حساب ولا أسباب ولتكن البشرى فرجا لهمومنا ورفعا لهممنا.
أحبابنا فى الله ..
لقد سمى الإمام فخر الدين الصوفية (أهل الله) لأن انشغالهم بالله كان ميزة لهم، كاشتغال أهل التجارة بالتجارة وانغماسهم فيها حتى سُمُّوا بالتجار، فالتسمى بـ (أهل الله) يوجب علينا أن يكون تخلقاً وليس تعلقاً، فالتخلق يوجب عليك أن تكون مجتهداً فى كل صنوف العبادات، من صلاةٍ وصيامٍ وذكرٍ وتلاوةٍ للقرآن، وقيام السحر للتعبد، فالكيس من دان نفسه، كما قال (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) [22] وكذلك المعاملات من حسن أدب ورحمة فى تعامل وعون لكل من قصدك، بغض النظر عن نسبه ودينه وجنسه.
واعلم أنك حين تلاقى ربك تُسأل عن شبابك فيما أفنيته، فَتَجَهز وشمر ساعدك قبل فوات الأوان واعمل لدنياك لتحصيل قوتك، ولا تنظروا إلى من هو أعلى منك فى المعيشة كى لا تسخط نعمة ربك، ولتعلموا أن خدمة الأهل والحى والمجتمع هو من أساس الدين، فلا تبخلوا على مجتمعاتكم بصحتكم ووقتكم فإن رفعة البلاد تقوم دائما على سواعد الشباب، ولا تمنعكم بعض الظروف السياسية أو الاقتصادية من العطاء لمجتمعاتكم فإن ما تبنيه اليوم فلا شك أن ولدك وحفيدك ممن يَسْعَدُ بما بناه سواعد الأباء والأجداد، ويقول سيدنا رسول الله (إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها) [23].
وليعلم كل من اختصه الله بخدمة هذه الطريقة بماله أو بوقته أو بنفسه، أن هناك ثوابت للخدمة أهمها (نكران الذات) فالفلاح كل الفلاح فى نكران الذات، وليحمد المولى سبحانه على استعماله فى الخير دون غيره من الآلاف بل والملايين، ولقد ضرب مشايخنا المثل الأعلى فى هذا المضمار، فالتصوف فى الماضى كان يقوم على أخذ العهد والإرشاد مباشرة من شيخ الطريقة، ولكننا نجد العجب كل العجب فى طريقة (محض الفضل) التى لا تشترط على المريد أى شروط، غير الاجتهاد فى الذكر والصلاة على الحبيب، ورَفعت كل التكاليف عنه غير الاحترام المتبادل، والأدب مع شيخه تأدبه مع والده بغير تكلف، بل وأعطت المريد الذى أخذ عهده حديثاً أن يعطيه لغيره ويرشده فيما أخذ من أوراد.
ولذا .. فإن حب التَرَأُّسْ والظهور مرض بغيض وآفة من آفات الشيطان، كما أن (حب الرياسة) يجعل الإنسان يمد أطرافه كالأخطبوط ليستحوذ على ما فى أيدى الإخوان من مجالات الخدمة، فلا هو يُحسن العمل المنوط به، بل ويُعرقل باقى الأبواب، فيجانب بفعله الصواب.
ولكن الأفضل أن يقوم خير قيام بما بين يديه، ليتقنه وينافس منافسة شريفة مع باقى المجالات الخدمية، لتظهر الطريقة فى أبهى حللها، لأنه نسيج منها وليس كل نسيجها، بل هو جزء صغير متقن يؤدى إلى الانسجام التام مع باقى الأجزاء الخدمية، لكن مَن تَدخل فى أمرٍ لم يُوكل إليه فإنه نغمةٍ شاذةٍ ونسيجٍ غير منسجم، ولكن التناصح فى الله باب غير مسدود لتعين أخوك على آداء خدمته بتلطفٍ غير تسلطٍ وبشحذ العزائم لا بتثبيط الهمم وتدبير المكائد.
إخوانى وأخواتى .. أبنائى وبناتى ..
لقد رفع رسول الله شعار (أنا النبى لا كذب أنا بن عبد المطلب) [24] فى غزوة حنين، وكان بعده الصحابة فى غزوة اليمامة الذين رفعوا شعار (وا محمداه) حتى حققوا النصر، ونحن بمضى السنين كان أول ما رفعناه شعاراً وارتفعنا به مساراً الاسم (الله) لنستبين الطريق للسير إليه، فهو الغاية لكل السالكين على هدى سيد الواصلين والمرسلين .. وكما أعلمنا وأعاننا أبو العونين بإرشاده أن الْعِلْمُ بِالذِّكْرِ لاَ يَنْفَكُّ مُقْتَرِنَا فكان عطاءه سيدى فخر الدين يغرد ويردد الْعِلْمُ شَأْنِى وَالْمُعَلِّمُ قُدْوَتِى فكان السير خلف القدوة بالعلم والذكر حتى صرنا بِمَا جَاءَ النَّبِىُّ غَدَا هَوَانَا ولما عدا العادون وأنكر المنكرون فكان منا الصفح الجميل، لأن إِمَامُنَا الْمُصْطَفَى وَالصَّفْحُ شِيمَتُنَا فأفاض الله علينا من فيض فضله، ومداد كلماته فـ مَنَحَ الْمُصْطَفَى وَتَمَّ الْعَطَاءُ فانتشر الطريق وازدهر، وازداد إقبال الناس ولم ينسوا يوماً أن قَوَامُ طَرِيقَ الْقَوْمِ حُبٌّ وَطَاعَةٌ والعبادات والمعاملات تؤسَس على النية فإنما الأعمال بالنيات وَالدِّينُ عِنْدَ اللهِ حُسْنُ الْمَقْصِدِ وحنت القلوب إلى الحبيب فتجهزنا والإبل كثير، وفى كل مائة، راحلة وَإِلَى رَسُولِ اللهِ شَدُّ رِحَالِنَا وما العيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة، هكذا قال ابن رواحة وبالفعل عَاشَ رَغْدًا مَنْ سَعَى نَحْوَ الْحِمَى وقد أردنا بها وجه الله الكريم فى ظل ?وَاصْبِرْ نَفْسَكَ? [25] فصارت لاَ تَغِيبُ الشَّمْسُ عَنْ عُودٍ لَنَا وصار وَكُلُّ نُورٍ لَنَا مِنْ نُورِهِ قَبَسٌ وكان الفرح بفضل الله، كما كان فرح شيخنا بعدها بلقاء الله، بعدما تلظى بأسماء الصفات فـ بِفَضْلِ اللهِ يَفْرَحُ كُلُّ عَبْدٍ وكما وصف الحبيب آل محمد آل الصفا والوفا، فعلى النهج نسير بوصفه عِبَادُ اللهِ قَوْمٌ فِى صَفَاءٍ فكان صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا بل نور فوق نور و كُلُّ شُعَاعٍ مِنْ بَنِى النُّورِ وَاصِلٌ وكما أخبرت ياسين، فلا زيتون وتين، ولا طور سيناه بل رَبٌّ رَحِيمٌ رَبُّهُ سَمَّاهُ وبأهل بدر الذين اطّلع عليهم ربهم وقال لهم: لكم ما شئتم مع غفراننا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ مَا سَأَلْنَا حِبَّنَا أو ?أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ? [26] والحبيب تَكْتَنِفُنا شفاعته اللهُ كَافٍ وَالنَّبِىُّ كَفَانَا وقد قال الحبيب لصاحبه (زاهراً باديتنا ونحن حاضروه) [27] وحقا حَضَراً حَلَّ كَمْ بَدَا بِبَوَادِى وكل ما كان من خير وبر وكل ما نرتجى من جود وعطاء، إنما هو بفضل حلال العقد فهو المأمول عندنا وسره عند شيخنا أن ..
كُلُّ رَاجٍ يَرْتَجِيهِ لا يُرَدْ وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ... وكل عام وأنتم بخير