خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 13

أخرج الإمام أحمد فى مسنده والحاكم فى المستدرك عن أبى أيوب الأنصارى عن النبى ?لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله? [22]. فالفتوى من أهم وأخطر الأشياء فى الدين التى تؤثر تأثيرا مباشراً على الفرد خاصة والمجتمع عامة (الفتوى) فمن عظم شأنها وخطورة موقفها أضحى لزاما أن نقف أمامها ونعرف آدابها وآداب قائلها وآداب سامعها، ونود أن نلخص ما ورد من جملة الأثر حولها، فإن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، فالمفتى وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية، ولهذا قالوا (المفتى مُوَقِّع عن الله تعالى) وعن ابن المنكدر قال (العالم بين الله تعالى وخلقه فَلْيَنظُر كيف يدخل بينهم) وكان أصحاب رسول الله يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول ومنهم من يحدث بحديث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إيّاه ولا يُستفتى عن شاء إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الفُتيا.

وعن ابن مسعود وابن عباس (من أفتى فى كل ما يُسأل فهو مجنون) وعن الشعبى والحسن وأبى حصين (إن أحدكم ليفتى فى المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر) وعن عطاء بن السائب التابعى (أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشاء فيتكلم وهو يرعد) وعن سفيان بن عيينه وسحنون (أجسر الناس على الفُتيا أقلّهم علما).

وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر من قول (لا أدرى) وذلك فيما عرف الأقاويل فيه، وسُئل الإمام مالك عن ثمان وأربعين مسألة فكان جوابه فى ثِنْتين وثلاثين منها (لا أدرى) وعن الإمام مالك أيضا (أنه ربما كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب فى واحدة منها) وكان يقول (من أجاب فى مسألة فينبغى قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يُجيب) وسُئل عن مسألة فقال (لا أدرى، فقيل هى مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال ليس فى العلم شاء خفيف). وسُئل الإمام الشافعى عن مسألة فلم يجب، وسُئل عن سكوته فقال (حتى أدرى أن الفضل فى السكوت أو فى الجواب)

وقال الشافعى أيضا (ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفُتيا ما جمع فى ابن عيينه ومارأيت أحدا أسكت منه على الفُتيا).

وقال أبو حنيفة (لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعلىَّ الوِزْر).

وقال ?لا تَسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها? [23] وفى الخبر (العلم ثلاثة: كتاب ناطق .. وسنة قائمة .. ولا أدرى) وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله (ليس شاء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم ويسكت بعلم، يقول: انظروا إلى هذا سكوته أشد علىَّ من كلامه) وقال بعضهم: إنما العالم الذى إذا سُئل عن المسألة فكأنما يقلع ضرسه.

وكان ذا النون يقول (ثلاثة من أعلام أعمال الكياسة .. ترك المراء والجدال فى الدين، والإقبال على العمل بيسير العلم، والاشتغال بإصلاح عيوب النفس غافلاً عن عيوب الناس.

وها نحن فى زمن كثر فيه المفتون وقل فيه العالمون العاملون، لم ينشغل الناس فيه بصلاح أحوالهم بل انشغلوا بصلاح الآخرين دون أنفسهم، وعلينا أن نتذكر قول الحبيب المصطفى ?طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس? [24].

أيها الأحباب ..

قال الحبيب المصطفى ?إن لله تعالى أهلين من الناس، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته? [25] إن أهل القرآن هم أولياء الله تعالى وأحباؤه كما أخبرنا السمرقندى فى تفسير قوله تعالى] أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [[26] قال: أى أحباء الله، وهم حملة القرآن والعلم، ويقال الذين يجتنبون الذنوب فى الخلوات، ويعلمون أنّ الله تعالى مُطَلِّعٌ عليهم. وسُئِل صلوات ربى وسلامه عليه عن أولياء الله فقال ?هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ الله تَعَالَى? [27] وقال وهبُ بنُ مُنَبِّه: قال الحواريُّون لسيدنا عيسى ابنِ مريمَ: يا روحَ الله، مَنْ أولياء الله؟ قال: الَّذين نَظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، ونظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأحبُّوا ذِكر الموت وأماتوا ذِكر الحياة، ويحبُّون الله تعالى ويحبُّون ذكره.

وقال الضَّحَّاك] أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله [أى المخلصين لله] لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [أى لا يخافون من أهوال يوم القيامة.

ثمَّ نعتهم فقال] الذين آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [أى أقرُّوا وصدَّقوا بوحدانية الله تعالى، ويتَّقون الشِّرك والفواحش] لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَياةِ الدُّنْيَا [أى البشارة، وقيل الرُّؤيا الصَّالحة.

وروى عن عبد الله بن عُمَر عن النَّبى أنه قال ?الرُّؤيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ من سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النّبوَّةِ? [28] وفى خبر آخر ?جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النّبوَّةِ?.

وسئل سيدنا أبو الدرداء عن قوله تعالى] لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَياةِ الدُّنْيَا [فقال ?هِى الرُّؤيا الصَّالِحَة يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ? وفى الآخرة أى الجنة.

لم يذكروا إلا بطيب فعالهم وملائك البشرى تقول سلاما

أيها الأحباب ..

إن انتشار الطريقة فى أرجاء المعمورة يقابله خطورة نقل المعلومة، وحماية الناس عموما وأبناء الطريقة على وجه الخصوص من تلقّيهم أى معلومات أو رسائل أو توجيهات غير صادقة تحت اسم الشيخ يجعل من أمر السيطرة على قنوات نقل المعلومة من الشيخ إلى أبناء الطريقة أمراً حيوياً هاماً لا تجوز المجاملة فيه. والخطورة تكمن أكثر عندما يتم فى بعض الأحيان تسريب ونشر أخبار غير دقيقة وغير معتمدة بحسن أو سوء نية تحت اسم الطريقة أو اسم الشيخ وبالتالى احتمال احداث بلبلة وارتباك وسوء فهم وتأثير على عقائد الناس وقد تؤذى الطريقة وهى تسعى لخدمة دين المصطفى فى ظروف بالغة التعقيد لا تتحمل أى تصرفات فردية غير منضبطة أو غير مسئولة.

والمسئولية تقع على عاتق أبناء الطريقة الذين يتناقلون بالمعلومات والأخبار خارج القنوات الشرعية ومن يتلقى المعلومات خارج هذه القنوات فإنه يخرج نفسه بنفسه من دائرة مرادنا وإرشادنا وتوجيهنا وحينئذٍ لا يلومن أحدا إلا نفسه .. وعلى هؤلاء الأخوة عدم تناقل المعلومات الصحيحة إلا لأهلها.

وعلى أبناء الطريقة الذين يتصلون بنا تحرى الصدق والأمانة والموضوعية ومصلحة الطريقة وأن يتم عرض موضوعاتهم على المسئول قبل عرضها علينا حتى تكتمل دراستها من كل الجوانب, والابتعاد عن الدسائس والمصالح الشخصية الضيقة, والانتباه إلى أن ما يعرض علينا ينبغى أن يكون خالصا صافيا لوجه الله تعالى حتى يرضى الله ورسوله.

فعلينا توخى الحذر من وسيط السوء وقد أرشدنا سابقا ولازال إرشاده فِينا مولانا الإمام فخر الدين حين قال:

وحاذروا من وسيط السوء بينكم وأيقظوا هِمَّةً فيها رياحينى

وقال أيضاً:

تصافحوا بل أميطوا السوء بينكم بِقُربَةِ الوُد لا قُربى القرابين

فعن أبى أيوب أنه قال سمعت نبى الله يقول ?ما بعث الله من نبى ولا كان بعده خليفةٌ إلا له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقى بطانة السوء فقد وقى? [29].

فعلى المسئول أن يتحقق بما تُلْقِى إليه بطانته حتى يبحث عنه ويتأكد تمام التأكيد من صحة المعلومة .. بل عليه أن يَتَّخِذَ لِسِرِّهِ ثِقة مأموناً فَطِناً عاقلاً .. لأن المصيبة إنما تدخل على المسئول المأمون من قبول قول غير موثوق به إذ كان هو حَسِن الظن فيلزمه التَثبُّت والتَدَبُّر .. وكما قيل (واحذر بطانة السوء .. فإنهم يريدون مالك ويقرّبون من النار لحمك ودمك .. فاحفظ تُحفظ واتق الله) فنسأل الله السلامة.

أيها الأحباب ..

قال ?ما ذئبان جائعان أرسلا فى غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه? [30] والشرف المعنى هنا هو حب الرياسة.

فمن أراد السلوك إلى الله فعليه انتزاع حب الرياسة من قلبه لأنها مناقضة للسير إلى الله، وتصفية روحه من حب الترأس لأقرانه .. وتنقية دمه من شهوة التقدم عليهم، بل كن الذليل فى سلوكك ولا ترى لك قيمة .. واخدم أبناء الطريقة تُخدم، وكفاك فخراً إن رضوك خُوَيْدِماً .. فحقاً إن الخويدم حقه لا يُهْضَمِ .. واهتم بصلاح نفسك بدلا من صلاح حال الآخرين ولا تُنَصِّب نفسك مكان الراعى .. لأن النجاة فى الاتباع والهلاك فى الابتداع .. فدعوا الراعى يقود إلى الثواب ...

فحقا ..

حضرا حل كم بدا ببوادى وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ... وكل عام وأنتم بخير