نسب الطريقة

الصفحة 21

ثانياً : لكل نبي دعوة مستجابة ، وعلى قدم كل نبي ولي تحمل الإمام الشاذلي من الأذى ما لا يطيقه إلا عباد الله المخلصون وتروي السيرة الصحيحة أنه تعرض في الاسكندرية للكثير والكثير (1) حتى أن ملائكة الحضرة الإلهية تنزلت عليه فنودي : إن الله يقول لك : تمن على فقال : يارب بم استوجبت ذلك ؟ فنودي : لا حتمالك الأذى لأجلي فتمن علي ياشاذلي فقال : اللهم لا يستكمل ولي بعدي حتى يتشذل . (2) __________ (1) ذكر صاحب شذرات الذهب أنه لما قدم من المغرب إلى الإسكندرية كتب الوشاة إلى نائب الإسكندرية أنه يقدم عليكم مغربي زنديق وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه ؛ فظهرت له كرامات أوجبت الاعتقاد فيه. ثم ذكر قصة التقائه وكلامه مع سيدي أبي الفتح الواسطي حيث قال له طاقية لا تسع رأسين فمات أبوالفتح من ليلته. قلت : وهي رواية غريبة تنم بنفسها عن عدم صدقها لماذا ؟ والإجابة : لأن من يروي هذه الرواية هو الذي يروي أن وفاته ( أي الواسطي ) كانت سنة 580 هـ كما أن المعروف أن مولد سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان سنة 593 هـ وهذا يدل مرة ثانية على عدم صدق هذه الرواية من ناحية وعلى كذب تاريخ وفاة الشيخ الواسطي المذكور إذ ثبت أنهما تعاصرا والتقيا فضلا عن انهما أخوان شقيقان كما سبق والصحيح أنه حضر وفاة سيدي أبي الحسن الشاذلي كما سيأتي . (2) وهذه العبارة متواترة عند جميع الشاذلية وجل أهل الطرق ولكن النقل المفتقر إلى الدقة يشكل الأمر ويزيد الإبهام فهناك من يرويها بلفظ ( ما من ولي إلا تشذل ) والفهم لا يستقيم أبدا بهذه العبارة فواقع الحال على المستوى العام للطرق الصوفية لايدل على ذلك فنخلص إلى أن الرواية بهذا الشكل غير مضبوطة ، والصحيح ما ذكره الشيخ (/). ولقد سئل سيدي فخرالدين عن معنى القول الذي رواه هو عن سيدي أبي الحسن الشاذلي اللهم لا يستكمل ولي بعدي حتى يتشذل فأجاب بكلام غاية في النفاسة حيث قال ما مفاده :

قوله : لا يستكمل : أي لا يصل إلى مراتب الكمال وذلك بالخلاص من النفوس بالكلية وهذا ليس لكل ولي في الزمن وإنما هو للغوث والأربعة الوزراء. فسئل رضي الله عنه : من الذي لا بد أن يتشذل ؟ فقال : الخمسة المذكورين وهم في كل زمن الغوث ووزرائه الأربعة أما الباقون من المريدين والسالكين فلا يشترط أن يكونوا شاذلية . قلت : وهذا الكلام في غاية الأهمية وهو في غاية الإبداع لأنه فك طلسما في طريق القوم استعصى على الكثير فهمه ويؤيده ما نقله البرموني في التنقيح عن كتاب المفاخر العلية فقال خصت الشاذلية بثلاث لم تحصل لأحد قبلهم .... إلى أن قال والثالث أن القطب منهم إلى يوم القيامة . ويستفاد من هذا كله أن الكمل من الرجال في كل زمن هم الخمسة المشار إليهم فحصل ذلك وعض عليه بالنواجد - وقل رب زدني علما . قلت : وقوله : ( القطب منهم إلى يوم القيامة ) : دليل على إجابة دعوة إمامنا الشاذلي حيث أن القطب أو الغوث هو من جملة الكمل الخمسة الذين أشار إليهم سيدي فخرالدين فإن سأل سائل فقال : العامة يقولون -لكمال لله وحده فكبف تطلقونه على غيره من الخلق أو العباد ؟ فنقول : الكمال مطلقاً لله ويكمل الله من يشاء وفيه حديث صحيح حيث يقول صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا .... وذكر الأربعة سيدات نساء العالمين وهو تصريح من الرسول صلى الله عليه وسلم بوجود الكمل من العباد رجالاً ونساءً.