(الاختلاف في الحقيقة الواحدة إن كثُرَ دلَّ على بُعْد إدراك جملتها) فإذا رجعت الأقوال إلى أصل واحد يتضمن جملة ما قيل فيها كان التعبير عن ذلك على حسب حالِ قائلِه ونصيبه من الله فيه، ولذلك فإن الحافظَ أبي نعيم رحمه الله وضع تعريفا للتصوف عند كل ترجمة من تراجم كتابه (الحلية) يناسب حال صاحب الترجمة من سيدنا أبي بكر الصديق إلى زمنه· ففُهِمَ من ذلك أن من له نصيب من صدق التوجه إلى الله له نصيب من التصوف. القاعدة الرابعة: (الإسلام والإيمان شرطا التصوف حيث مداره على مقام الإحسان). صدقُ التوجه إلى الله (أي التصوف) مشروط بأن يكون في رضا الحق وبما يرضاه ؛ ولايصح مشروط (أي التصوف) دون شرطه (ولا يرضى لعباده الكفر) فلزم أنه يرضى لعباده الإيمان (وأن تشكروا يَرْضَهُ لكم) فلزم العمل بالإسلام. إذن فالتصوف شرطه الأول العمل بالإسلام، والثاني تحقيق الإيمان فلا تصوف إلا بفقه والعكس. ومنها قول الإمام مالك:(من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق). القاعدة الخامسة: (تأصيل الشئ ينفي إنكاره) إسناد الشئ لأصله يدفع قول من أنكر عليه، وأصل التصوف مقام الاحسان لقوله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ومعاني صدق التوجه إلى الله تعالى ترجع إلى هذا الأصل ؛ وهو دوام المراقبة فالحضُّ عليه واجب، كما أن الحضَّ على الفقه واجب في مقام الإسلام، والحضَّ على علم الأصول واجبٌ في مقام الإيمان. القاعدة السادسة: (شروط وضع الإصطلاح أصلاً) الاصطلاح للشئ لاوجه لإنكاره إذا اجتمعت فيه شروط هي: 1- إذا دل على معناه. 2- اشعر بحقيقته. 3- ناسب موضوعه. 4-عين مدلوله من غير لبس أو مخالفة أو إخلال لقاعدة شرعية، ومن ثم فاسم التصوف من ذلك لأنه عربيٌّ مفهومٌ تامُّ التركيب غيرُ مُوهِمٍ وسنحقق هذا الموضوع بإسهاب في غير موضع.