الثاني أنه تعالى قال: مقاماً محمودا ولم يقل مقعدا، والمقام موضع القيام لا موقع القعود. الثالث ولو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمداً عليه الصلاة والسلام لكان محموداً متناهيا، ومن كان كذلك فهو محدث. الرابع يقال: ان جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهلة الحمقى يقولون في كل أهل الجنة: أنهم يزورون الله تعالى وأنهم يجلسون معه وانه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا. وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها نسبة شرف ورتبة. الخامس أنه إذا قيل: السلطان بعث فلاناً فهم منه أنَّه أرسله إلى قوم لإصلاح أمورهم ولا يفهم منهم أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول رذلٌ سقطٌ لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين. قلنا: قد صرحت هذه العبارة التي نقلناها عن هذين الإمامين بإنكار أمرين: إنكار صلاحية هذه الرواية أن تكون دليلاً على أن للرحمن عرشاً يوم القيامة وإنكار إجلاس النبي صلى الله عليه وسلم على العرش في ذلك اليوم. ودليل هذين الإنكاريين هو الوجوه الخمسة المذكورة لكن هذا الإنكار من هذه الجهة الباطنة لا ينافى أن الإمامين المذكورين وسائر المسلمين يؤمنون بأن للرحمن عز وجل عرشاً يوم القيامة، كما هو تأويل قوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية كما سبق عن الإمام الرازى. ثم أننا قد بينا لك فيما سبق معنى الكناية التي عبر بها الإمام القفال وغيره من الخلف، ومنه تعلم ان عرش الرحمن جل ثناه شئنا مذعوماً وهمياً بل هو حقيقة ثابتة بنص الكتاب العزيز سواء أول العرش بالملك ام بغيره من المعاني الأربعة المتقدمة.