من علومى فى الفيافى

الصفحة 45

بقي بعد هذا كله كلمات: الكلمة الأولى : قد عرفت من صدر كلامنا المعنى المستحيل على الله تعالى لكلمتي الاستواء والعرش، فإذا فُسِّر العرش بأحد معانيه الصحيحة أي بالجسم الأعظم المحيط بالعالم في الدنيا، أو بالعرش الذي يكون في الآخرة فان ذلك التفسير يكون تأويلاً صرفاً لكلمتي الاستواء والعرش عن ظاهرهما المستحيل، وانتقالاً إلى معنى آخر خفي بالنسبة إلى ذلك المعنى الظاهر وذلك المعنى الآخر الخفي الجائز المنتقل إليه هو الجسم الأعظم أو عرش الآخرة الذي هو تحت استيلاء الله تعالى عليه بالقهر السلطان والعزة الإلهية. فثبت بهذا أن تفسير العرش بما ذكر هو تأويلٌ له بلا ريب، وحينئذ يكون أصحاب هذه المعاني الأربعة التي ذكرناها للعرش جميعهم مؤوِّلون، أي أنهم قد جروا على طريقة الخلف الذين يؤوِّلون بما يوافق تنزيه الله العزيز. الكلمة الثانية: قد علمنا أن التأويل هو انتقال من المعنى الظاهر إلى معنى خفى بالنسبة إلى ذلك الظاهر، فلأجل هذا الانتقال من الظاهر إلي الخفي ترى المؤوِّلين يقولون حينما يؤوِّلون: أن العرش مثلاً كناية عن كذا، لا يريدون أن المعنى المؤوَّل به المُننتقل إليه هو معنى وهمي خيالي لا حقيقة له كما لو أوَّلوا العرش بالملك مثلا، بل يريدون أنه معنى مدلول عليه بلفظ العرش مثلاً دلالة كنائية، أي دلالة خفية بالنسبة إلى الظاهر بواسطة القرينة الدالة على ذلك المعنى الجائز على الله تعالى كما هو شأن الكناية في المقرر في علم البيان.