ثالثها أن المراد به هو الملك، تحصَّل مما ذكرناه أن عرش الرحمن صالحٌ لأن يفسر بأحد معانٍ أربعة بحسب مساق الآيات القرآنية وهي ذلك الجسم العظيم المُحيط بالأكوان، والملك، وبناء السماوات والأرض أي خلقُهُما وتسويتُهما وهذه الثلاثة في الدار الدنيا، والرابع عرشٌ يُحضره الله في الآخرة فكل هذا التأويلات صحيحة وحق لأن لفظ العرش لا يأباها لا من جهة اللغة ولا من جهة العقيدة الصحيحة ولا من جهة العقل السليم لأنَّ مبناها كلها على تنزيه الله تعالى وتقديسه عن مشابهته لخلقه في أن يكون له عرشٌ يستوي عليه استواءً بالكيفية المعلومة المعهودة فينا. كلُّ هذا جرى على طريقة الخلف الذين يؤوِّلون ما قام دليل النقل والعقل على استحالة ظاهره، وعلى وجوب حمله على ما يوافق الدليلين المذكورين. أما إذا جرينا على طريقة السلف فأننا ندع التأويل جانبا، ثم نؤمن بما ورد إيمانا جازماً موفَّقا لما أراده الله تعالى من اللفظ الكريم، وندع تعيين المراد منه إلى علمه عزَّ وجل، لانه لم يكلفنا أن نعلمه علم التعيين، ولو أراد ذلك لعينَّه لنا، لأن تعيينه لا يعلم إلا منه سبحانه. فكلٌّ من السلف والخلف قد رفض المعنى المستحيل على الله تعالى، ولكن بعد اتفاقهما على ذلك لم يتعرض السلف للمعنى المراد بتعيينٍ ما، بل وكلوا علمه وتعيينه إلى الله جلَّ شأنه. وأما الخلف فإنهم تعرَّضوا ببيانٍ ما، متبَّعين في ذلك استعمال العرب وأساليبهم في لغتهم التي جاء القرآن الكريم على أصولها وقواعدها. فأنت ترى أنَّ كل من طريقتي السلف والخلف قد أُسِّس على تنزيه الله عز وجل وتقديسه عما لا يليق بمقامه الأسمى سبحانه.