على أن هذا التأويل لم ينفرد به القَفَّال بل ذكره غيره أيضا ومنهم البغوي والبقاعي وأبو السعود والآلوسي وغيرهم بل زاد الإمام الفخر تأويلا آخر ذكره في تفسير قوله تعالى {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} فقال وكل ذلك أي تشبيه الله سبحانه بخلقه وجعله محمولاً على العرش كما زعمه المشبهون كُفرٌ صريح فعلمناه أنه لا بد فيه من التأويل فنقول السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه فخلق لنفسه بيتاً يزورونه وليس لأنه يسكنه تعالى الله، وجعل في كلِّ ركنٍ من أركان البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظِّموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم وجعل كل العباد حفظة، ليس لأنَّ النسيان يجوز عليه سبحانه لكن لأن هذا هو المتعارف عليه، فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف حوله وأحضر الله سبحانه وتعالى يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه، فأنت ترى أن الإمام فخر الدين قد أوَّل العرش في هذه الآية بغير ما أوَّل به القفال وجعله عرشا في الآخرة لا في الدنيا وأيَّاً ما كان من التأويلين فإنهما قاضيان بتنزيه الله تعالى عمَّا لا يليق به كذلك ننقل لك ما قاله الرازى في تفسير قوله تعالى {ثم استوى على العرش}. في سورة يونس عليه السلام قال: اتفق المسلمون على أن فوق السماوات جسما عظيما هو العرش، إذا ثبت هذا فنقول العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أم غيره ثم ذلك الفخر أقوالا ثلاثة أولها: إن العرش هو البناء أي بناء السماوات والأرض وتكوينه وأن الاستواء هو الاستعلاء عليهما بالقهر والعزة الرَّبانية وهذا القول لأبى مسلم الأصفهاني ثانيها أن العرش في آية يونس هو الجسم العظيم الذي فوق السماوات.