فلْينظر أيّها أَزكَى طعاماً ولْيأتكم برزق منه ولْيتلطف ولا يُشعِرَنّ بكم أحداً ؛ فربما حَضَر أحد العوامّ أو المؤلَّفة قلوبهم واستعصَى عليه فهْم ما أدركْتَه مِن غرائب العلوم وغيبياتها فينفر ولا يرجع بعد ذلك أبداً فتَكون سبباً في إضلاله ، وربما حضَر مَن ضرُّه أَقرَب مِن نفْعِه فينكِر لا على معنى وإنما على الشيخ والطريقة ، وربما أَنكَرَ على الله ورسوله وكذَّبَهما مِن حيث يدري أو مِن حيث لا يدري ، وفي ذلك قال - صلى الله عليه وسلم - { خَاطِبُوا النَّاسَ عَلَى قَدْر ِعُقُولِهِمْ ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُه } .. فإن كنتَ ولا بد فاعلاً فاستمِع واعمل بقول الشيخ - رضي الله عنه - : أَقُولُ كَنُّوا فَلاَ تُبْخَسْ غَرَائِبُهَا لِتَأْمَنُوا شَرَّ إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ فَفِي الْكِنَايَة ِتَرْغِيمٌ لِذِي سَفَهٍ وَقَدْ تَغَشَّيْتُهَا سِتْراً يُوَارِينِي واعلم يا أخي أنك إذا سألتَ الشيخ لِيعطيك علماً تخاطب به كلاًّ مِن الحاضرين على قدْر عقله بما يروي عطش قلبه كنتَ على الصواب لِحُسْن عقيدتك ، وكن على يقين بأنه سيعطيك ويُقرِّبك ويحبوك وتدنو ، فقطْ افعل ذلك وأَقْبِلْ واذكر قوله - رضي الله عنه - : ( سَلْنِي أُمِدُّك ) .. واعلم أنه كلما فعلتَ ذلك كان ذلك دليل قوة وتمكين وتوفيق في تَدارسك ؛ لأنه صفة مَن أُوتِي الحكمة وفصْل الخطاب ، فتَكون ممن قال فيهم الشيخ - رضي الله عنه - : وَسَتَشْرَبُوا مَا شَاءَ رَبِّي عِلْمَنَا حَتَّى تَصِيرُوا مَضْرِبَ الأَمْثَالِ 11- إطلاق المَعاني وإعقال العقول .. فبعْد استيفاء ما تَقدَّمَ مِن أسباب يجب على المريد المتدارِس الفَطِن أن يرجع إلى أسباب التهيؤ الباطني التي ذكرْناها أو يصحبها في كل لحظة لا ينفك عنها ، فيُعقِل العقل ـ أي يُمسِكه ـ لِتنطلِق الروح إلى قائدها تستلهمُه المَعاني والفنون والعلوم الشيقة الرائقة ..