علموا عنى 2 الجزء الثاني

الصفحة 92

وفي هذه الرسالة يقرر الخطابي أن الناس قديماً وحديثاً قد ذهبوا في هذا الموضوع من القول كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن ري؛ ثم يناقش فكرة الصرفة؛ فيدحضها ولا يرتضيها؛ ثم يناقش فكرة تضمن القرآن الكريم أخباراً مستقبلة، ولكنه لا يرتضيها شرحاً لأسرار الإعجاز. وأما القول بأن السر في إعجاز القرآن الكريم إنما هو: بلاغته التي أعجزت العرب، فهو قول صحيح؛ ولكن أصحاب هذا الرأي- وهم الغالبية العظمي- لم يحاولوا أن يتبينوا مرجع هذه البلاغة قائلين: قد يخفى سببه عن البحث، ويظهر أثره في النفس. لأنك تجد كلاهين: أحدهما يهزك ويطربك وهما معاً فصيحان؛ ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة!. ومثل هذا القول لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل به؛ وقد استشهد بعضهم على هذا بمثل ما فعل ذو الرمة وجرير: فقد ذكرت الرواة أن جريراً من بذي الرمة، وقد عمل قصيدته التي أولها: نبت عيناك عن طلل بحزوي ... عفته الربح وامتنح القطاراً

فقال: ألا أنجدك بأبيات تزيد فيها؟ فقال. نعم، فقال: يعد الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أربعة كباراً يعدون الربات وآل قيم ... وسعداً، ثم حنظلة الخياراً ويذهب بينها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الحواراً

فوضعها ذو الرمة في قصيدته، ثم مر به الفرزدق، فسأله عما أحدث من الشعر، فأنشد القصيدة، فلما بلغ هذه الأبيات، قال: ليس هذا من بحرك، مضغها أشد لحيين منك! قال: فاستدركها بطبعه، وفطن لها بلطف ذهنه [ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص 25.]. فلابد- إذن- من سبب لاستحسان كلام دون آخر. ربحث عن السبب فوجده، ولم يتعد هذا السبب: النظم. والسبب الحقيقي- في رأي الخطابي- أن أجناس الكلام مختلفة؛ فمنها: البليغ الرصين الجزل، ومنها: الفصيح الغريب السهل، ومنها: الجائز الطلق الرسل. والقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام وأرفعه. والقسم الثاني: هو أوسط الكلام وأقصده. والقسم الثالث: هو أدناه وأقربه.