وكأنه لا يعترف بنقد الجانب البلاغي من النص الأدبي- على ما له من خطر في نقد الأساليب الأدبية- وهو لا يقف عند هذا الحد الغض من قيمة النقد البلاغي، بل إنه ليعتبر دراسة البلاغة العربية عاراً يجب أن تتبرأ منه الأمة العربية جمعاء!! وعلى أية حال: فإن المحور الذي يدور حوله أصحاب هذا الرأي هو: أن البلاغة توجيه وتعليم، لأنها تفترض قواعد نظرية تتحكم في أقوال الأدباء والشعراء. ولكننا نقول: إن قواعد البلاغة لم توضع من فراغ، وإنما وضعت بعد أن ناقش واضعوها نصوصاً أدبية كثيرة، فعرفوا محاسنها ومساوتها ثم حاولوا وضع الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه النص الأدبي قوة، ووضوحاً، وجمالاً. الباب الأول النظم البلاغي الفصل الأول منابع فكرة النظم عندما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه، وعجزوا عن ذلك ضاع صوابهم وضربوا أخماساً في أسداس من حيرتهم؛ لأنهم لم يستطيعوا مجاراة القرآن الكريم في بلاغته وهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، وسادة الكلام! ووصفوا القرآن الكريم تارة بأنه شعر وتارة أخرى بأنه سحر. أما أنه شعر: فلأنهم رأوه منظوماً؛ ولكنه نظم خاص؛ فلا هو بالشعر- وفيهم الشعراء المفلقون- ولا هو بالنثر- وفيهم الخطباه المفوهون! وأما أنه سحر: فلأنهم قد وجدوا له وقعاً في قلوبهم لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم لم يقدروا على التخلص منه. على أن أحد خصوم الرسول الألداء- ويقال إنه الوليدين المغ×× المخزومي- قد استمع إلى الغي- صلى الله عليه وسلم- وهو يتلو بعض أي القرآن الكريم؛ فقال: "والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا هو من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة [تفسير الزمخشري في سورة المدثر.]. وقد جاء في حديث أبي ذر- في سبب إسلامه- أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث، فقلت: فما يقول للناس؟ قال: