وكم من ليلة ذَكَرت السُنّة النبوية أن من أفضالها أن الله يغفر فيها لكل مسلم إلا المتشاحنين، فلِما تحرم نفسك من ليالى المغفرة والجود والرحمات؟ وتغلق أبواب قلبك عن التسامح الذى هو من شيم العظماء؟ فسيدى فخر الدين يقول: بَيْنَ الرِّجَالِ عُرِفْتُ بِالصَّفَحَاتِ - فهلا تذكرت حسنات أخيك عندما ذَكرت سيئاته، حتى ولو لم يكن له حسنات -وهو ضرب من الخيال- - فما الذى يضيرك أن تعطى مَنْ حَرَمَك، وأن تعفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، - خَبّرْنَا بالله عليك ما هو الضرر الذى يقع عليك إن فعلت ذلك مع كل خلق الله؟ مَا ضَرَّ لَوْ بَاتَ الْمُحِبُّ وَقَدْ عَفَا إِنَّ التَّظَالُمَ بُؤْرَةُ الإِظْلامِ - كن شجاعاً ضد نفسك، فالكيس من دان نفسه ورجع عن خطأه وأقر بذنبه فى حق أخيه، - والأكثر شجاعة هو من استكان لثورة غضب أخيه، وخضع له باللَّيِّن من القول حرصاً على أخوته وصحبته، فـ الكلام اللين يَغْلِبُ الحق البَيّن وأصحاب الهمم العالية مقاماتهم فى الخلق سامية. - فيجب عليك الترفع عن الصغائر والتجاوز عن الخلافات، وعدم انتهاك الحرمات، ومساعدة الضعيف ونصرة المظلوم، - وعلى الثائر النظر إلى نفسه نظرة نقد وحساب كى لا يقع فى نفس الأخطاء التى وقع فيها من كانوا قبله حينما كان زمام الأمور بأيديهم، وإلا فما الفرق بين هذا وذاك. شَأْنُ الْكِرَامِ عَنِ اللِّئَامِ تَرَفُّعٌ ... هِىَ ذِى بِحَقٍّ شِيمَةُ الْعُظَمَاءِ - لقد سأل الصحابة رسولَ الله مَنْ هؤلاء الذين ذَكَرَ اللهُ إن تَوَلّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثم لم يكونوا أمثالنا؟ قال: وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبِه فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَخذَ سَلْمَانَ وَقَالَ هَذَا وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ [12].