إِنْ كَانَ فِي الْفَرْقِ الَّذِي فِي عِلْمِنَا ... قَدْ لاَ يَكُونُ كَعِلْمِكُمْ فُرْقَانَا
فالقرآنُ هوَ العِلْمُ إجمالاً ، أمَّا الفرقانُ فهوَ العِلْمُ تفصيلاً ، ولِذلكَ فَهُمْ بِمَا عَلَّمَهُمْ ربُّهُمْ يستطيعونَ أنْ يأخذُوا مِنَ القرآنِ ما شاءُوا لِمَا يَشاءُونَ ، وذاكَ الفرقانُ طالَما أَثْبَتَّ لفظةً مِنَ القرآنِ ، وهذَا مَا احْتَجَّ بهِ سَيِّدُنَا سَلْمَانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه - عندَمَا اشتكَاهُ الصحابةُ إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِعِلَّةِ أنَّهُ يَخلِطُ مَا بَيْنَ آياتِ القرآنِ ، فلَمَّا سألَهُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : هَلْ أَدْخَلْتُ فِيهِ غَيْرَه ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُول { خُذْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا شِئْتَ لِمَا شِئْت } وَسَمِعْتُكَ تَقُول { مَنْ لاَ شَفَاهُ الْقُرْآنُ لاَ شَفَاهُ اللَّه } ، فَجَمَعْتُ الآيَاتِ الَّتِي تُنَاسِبُ أَوْرَادِي فقالَ لهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - { أَنْتَ الطَّيِّبُ الْمُطَيَّب } (1) . وعلى هذَا فتقطيعُ الآياتِ لِقضاءِ الحوائجِ أمرٌ ضروريٌّ .. وضربَ سَيِّدِي فَخْرُ الدِّينِ - رضي الله عنه - مَثَلاً على ذلكَ فقالَ : لوْ أردْتَ أنْ لاَ يراكَ أحدٌ وأنْتَ تَسِيرُ في الشارعِ وأرَدْتَ أنْ تستعينَ على ذلكَ بالقرآنِ فيمكنُكَ أنْ تَقُول {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيف} (2) فهُنَا حدُّ اللطافةِ بمعنى أنْ تَكونَ كالهواءِ فلاَ يَرَاكَ أحدٌ ، أمَّا إذَا أكْمَلْتَ فَقُلْت {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} فَسَيَخْبُرُونَكَ - أيْ يَصِيرُونَ على خبرةٍ بِكَ ومعرفةٍ وشهودٍ - بِسِرِّ الاسمِ الخبيرِ ؛ وذلكَ لِخاصِّيَّتِهِ في الفكرِ والخبرة .. __________ (1) 2- ذَكَرَه سَيِّدِي فخر الدِّين - رضي الله عنه - في دروسه . (2) 1- سورة الأنعام : 103