ولِهذَا قالَ سَيِّدِي فَخْرُ الدِّينِ - رضي الله عنه - ما معناهُ أنَّ سَيِّدِي أبَا الحَسَنِ الشّاذليَّ - رضي الله عنه - وجدَ في قلبِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - طَهُورٌ بِدْعَقٌ مَحْبَبَهٌ ... إلخ عبارةِ الحِزْبِ الكبيرِ ، فإذَا علمْتَ - كَمَا قَرَّرَ أهلُ الشأنِ - أنَّ الطريقةَ البرهاميةَ والطريقةَ الشاذليةَ طريقةٌ واحدةٌ فقدْ تَقَرَّرَ عندَهَمْ أنَّ سَيِّدِي إبراهيمَ الدُّسُوقيَّ وجدَ في قلبِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما وجدَهُ سَيِّدِي أبُو الحَسَنِ الشّاذليُّ ، إلاَّ أنَّهُ قدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ سَيِّدُنَا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا يُسمَّى خِلَعَ التَّشْرِيفِ ، وهيَ المعبَّرُ عنْها بِـ خِلَعِ الجلالِ وخِلَعِ الجَمالِ ، وهُمَا مقتضياتُ الأسماءِ الإلهيَّةِ ؛ حَيْثُ اقْتَضَتِ الحكمةُ الإلهيةُ أنْ تَكونَ هذهِ الأسماءُ تارةً جلاليّةً وتارةً جماليّةً ؛ بمعنَى أنَّ الأسماءَ الإلهيةَ متضادَّةٌ كَمَا هوَ ظاهرٌ في المُعِزِّ - المُذِلِّ الْمُحْيِي - المميتِ ( القابضِ - الباسطِ ) ... فالأسماءُ الدّالَّةُ على المهابةِ والعظمةِ والبطشِ والاقتدارِ هيَ أسماءُ جلالٍ ، والأسماءُ الدّالَّةُ على الرحمةِ واللطفِ هيَ أسماءُ جَمالٍ ، وبِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ تَجَلَّى ربُّ العِزَّةِ على حبيبِهِ - صلى الله عليه وسلم - فاسْتَحْوَذَ الجلالُ باطنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - واستولى الجَمالُ على ظاهرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - .. وفي هذَا يَقُولُ سَيِّدِي فَخْرُ الدِّينِ - رضي الله عنه - :
تَنَزَّهَ ذُو الْجَلاَلِ وَذُو الْجَمَالِ ... وَنَزَّهَنَا وَطَهَّرَ مُبْتَدَانَا
ويَقُولُ السادةُ :
جَلَّ وجهٌ بِهِ تَجَلَّى عليْنَا ... ففقدْنا بِنُورِهِ ما لديْنَا لوْ رأيْنَاهُ في الجَمَالِ اكتفَيْنَا ... أوْ شهدْناهُ في الجلالِ رأيْنَا