ولا عجبَ في ذلكَ ؛ ففي زمنِ الصحابةِ لمْ يعرفِ الناسُ علومَ النحوِ والبلاغةِ والبيانِ والبديعِ والصرفِ والنقدِ والفلكِ والكيمياءِ والكومبيوتر ، بلْ وعلومَ الفقهِ وأصولَهُ ، وإنَّمَا دَعَتْ أحوالُ الناسِ إلى ظهورِ هذهِ الأسماءِ على أيدي علماءَ حفظَ اللهُ بهمْ كتابَهُ الجامعَ لِكُلِّ علومِ الدنيا والآخرةِ ، وما لفظُ التصوفِ إلاّ اسمٌ لِعلمٍ نشأَ عِنْدَمَا دعَتِ الحاجةُ إلى تخصيصِهِ باسمِهِ ورسمِهِ .. وفي ذلكَ يَقُولُ سَيِّدِي أحمدُ زروقٌ - رضي الله عنه - : قدْ حُدَّ التصوفُ ورُسِمَ وفُسِّرَ بوجوهٍ تبلغُ الألفَيْنِ ترجعُ كلُّها لِصدقِ التوجهِ إلى اللهِ تعالى . وأَحْسَنَ أحدُهمْ حينَ قالَ :
تنازَعَ الناسُ في الصوفيِّ واختلَفوا ... وظَنَّهُ البعضُ مشتقّاً مِنَ الصوفِ ولسْتُ أمنحُ هذَا الاسمَ غَيْرَ فتىً ... صافى فصُوفِيَ حَتَّى سُمِّيَ الصوفي
فهوَ إذَنْ مشتقٌّ مِنَ الصفاءِ ، ولا عجبَ في ذلكَ ؛ فقدْ وردَ عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - { آلُ مُحَمَّدٍ آلُ الصَّفَا وَالْوَفَا } ، ومَنْ يكونُ الصُّوفِيَّةُ إلاَّ آلَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ؟!! وهوَ اشتقاقٌ عربيٌّ خالصٌ فيهِ ما يدلُّ أيضاً على أنَّهُمُ اسْتَصْفَوْا أمْرَهُمْ كُلَّهُ للهِ ؛ أيْ صارَ أمرُهُمْ كُلُّهُ للهِ .. قالَ ابنُ منظورٍ : واسْتَصْفَيْتُ الشَّيءَ : إذَا اسْتَخْلَصْتُه . ومَنْ قرأ {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِى} بالياءِ (1) فَتفسيرُهُ : أَنَّهَا خالصَةٌ للهِ تعالى ، يذْهَب بِهَا إلى جَمْعٍ صافيةٍ ، ومِنْهُ قيلَ للضِّيَاع التي يَسْتَخْلِصُهَا السلطانُ لخاصَّتِهِ : الصَّوَافِي . __________ (1) 1- وهُمْ : الحَسَن والأعرج ومجاهد وزيْد بن أسلم وأبو موسى الأشعري - رضي الله عنهم - .. راجع في ذلك تفسير الآية عند الإمام القرطبي .