وقدْ نقلَ سَيِّدِي فَخْرُ الدِّينِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عثمانُ عبدُه البرهانيُّ في كتابِه انتصارِ أولياءِ الرحمنِ علي أولياءِ الشيطانِ عَنِ الإمامِ السّيوطيِّ قولَه : وقدِ اتَّخَذَ السبحةَ ساداتٌ يُشارُ إليهمْ ويُؤْخَذُ عَنْهُمْ ويُعتمَدُ عَلَيْهِمْ كأبِي هريرةَ - رضي الله عنه - كانَ لهُ خيطٌ فيهِ ألفا عقدةٍ فكانَ لا ينامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بهِ ثنتَيْ عشرةَ ألفِ تسبيحةٍ ؛ قالَهُ عكرمة (1) . فإنْ قالَ قائلٌ أوْ سألَ سائلٌ : وهلْ لِلعَددِ ضرورةٌ في الذكرِ والتسبيحِ حَيْثُ أن الأمرُ نافلة ولا ضررَ في إطلاقِ العَددِ ؟ فنقولُ وباللهِ التوفيقُ : إنَّ الشارعَ - صلى الله عليه وسلم - طالَما حَدَّدَ عبادةً نفليةً ما بعَددٍ ما فلا بُدَّ مِنْ حكمةٍ في العَدَدِ يَعلمُها هوَ ، فلا سبيلَ إلاَّ اتِّباعُهُ - صلى الله عليه وسلم - قلباً وقالَباً ، وهذَا مقتضى الإيمانِ .. والآثارُ الدالةُ على ذلكَ كثيرةٌ ، نذكرُ واحداً مِنْهَا خشيةَ الإطالةِ : وهوَ قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - قال { مُعَقِّبَاتٌ لاَ يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ تَسْبِيحَةً وَثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ تَحْمِيدَةً وَأَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ تَكْبِيرَة } (2) فما مِنْ عاقلٍ إلاَّ ويعتقِدُ أنَّ وراءَ العَددِ الذي عَيَّنَهُ الشارعُ - صلى الله عليه وسلم - حكمةً خفية يعلمها الله لمن يشاء من عباده ، علمها من علمها وجهلها من جهلها ، ولاَ حرجَ على فضلِ الله . __________ (1) 2- انْظُرْ رسالة السّيوطيّ المسماة المنحة في السّبحة ضِمْن كتابه البديع الحاوي للفتاوى . (2) 3- رواه الإمام مسلم في صحيحه ونقله النّوويّ في الأذكار .