شرح الأوراد

الصفحة 197

اقْتَضَتْ حكمةُ اللهِ أنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَوْطِناً فيهِ عِلْمُهُ ؛ فمِنْهُ يُتَعَلَّمُ ويُؤْخَذُ هذَا العِلْمُ ، انْظُرْ هذَا في الدُّنْيَا كُلِّهَا تَجِدْهُ كذلكَ ، حَتَّى إنَّ اللهَ تعالى قال {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيه} (1) ؛ فالتُّجّارُ خلفاءُ اللهِ في المالِ ، والمالُ مالُ اللهِ أصلاً ولَكِنِ اسْتَخْلَفَهُمْ فيهِ فقال { الْمَالُ مَالِي وَالْفُقَرَاءُ عِيَالِي وَالأَغْنِيَاءُ وُكَلاَئِي ، فَإِذَا بَخِلَ وُكَلاَئِي عَلَى عِيَالِي أَدْخَلْتُهُمُ النَّارَ وَلاَ أُبَالِي } ، فإذَا أَرَدْتَ أنْ تَتَعَلَّمَ فُنُونَ المُصْحَفِ مِنْ تجويدٍ وحروفٍ وأحكامِ غُنَّةٍ وقَلْقَلَةٍ وكَذَا فلاَ بُدَّ أنْ تَذْهَبَ إلى الخلوةِ [ الْكُتَّابِ ] ، وإذَا أَرَدْتَ أنْ تَتَعَلَّمَ الفقهَ فاذْهَبْ لِلعلماءِ ، وإذَا أَرَدْتَ أنْ تَتَعَلَّمَ التّاريخَ فاذْهَبْ لِلمُؤَرِّخِينَ ، وإذَا أَرَدْتَ أنْ تَتَعَلَّمَ المَعْرِفَةَ الإلهيّةَ فاذْهَبْ لِلعارفِينَ باللهِ ، ومَنْ أرادَ السَّفَرَ والسُّلُوكَ إلى اللهِ فعَلَيْهِ بالسّالكِينَ الْمُسَلِّكِينَ ؛ فَهُمُ المُسْتَخْلَفُونَ في فيوضاتِ الأنوارِ الأسمائيَّةِ الصِّفاتيَّةِ الإلهيةَِّ ، فإذَا راقَبْتَهُمْ وسِرْتَ مَعَهُمْ بالأدبِ أَعْطَوْكَ النُّورَ الذي تَرَاهُمْ بهِ ؛ لأنَّ اللهَ قَدْ خَلَقَ فِيكَ مِنَ العيونِ مَا تُدْرِكُهُمْ بهِ بِشَرْطِ الأدبِ والمُرَاقَبَة .. فالعيونُ أربعةٌ : 1- عيونُ الرأسِ : وقَدْ خُلِقَتْ لِيُرَى بِهَا الأجرامُ [ المحسوسات ] . __________ (1) 1- سورة الحديد : 7