ثانياً : عَرَفْنَا أنَّ جوامعَ الكلِمِ التي أُوتِيَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - هيَ وحدةُ الكلامِ عِنْدَ المخلوقاتِ التي لَهَا صوتٌ ، وعَرَفْنَا أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - طالَمَا أنَّ المسلِمَ أوِ المؤمِنَ على عهدِهِ ووعدِهِ فإنَّ الأولياءَ - رضي الله عنهم - يتلقَّوْنَ العلومَ مباشرةً مِنْ حضرةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهوَ - صلى الله عليه وسلم - الذي اخْتُصِرَ لهُ الكلامُ اختصاراً ، فمِنْ هذهِ المشكاةِ يَقتبِسُ المشايخُ - رضي الله عنهم - أسرارَ الحروفِ المعجمةِ وعلومَهَا واشتقاقاتِهَا ثُمَّ يُعَلِّمُونَهَا لأُمَّةِ الحبيبِ - صلى الله عليه وسلم - لِكَيْ يواجِهُوا بِهَا ويحارِبُوا بِهَا إبليسَ وحِزْبَهُ ، فكُلُّ واحدٍ مِنَ السادةِ الأكابرِ أَطْلَعَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - على سِرٍّ مِنْ أسرارِ القرآنِ يَجعلُهُ مركَّباً مِنْ جوامِعِ الكلِمِ فيصيرُ صياغةً صالحةً لِنَفْعِ الجنسِ البشريِّ .. ولِلَّهِ درُّ سَيِّدِي فَخْرِ الدِّينِ - رضي الله عنه - إذْ يقول :
كَلَّتْ مَبَانِي مَا أَقُولُ عَنِ الَّذِي ... أَرْمِي إِلَى مَعْنَاهُ أَوْ إِثْبَاتِهِ قُلْتُ الْمَعَانِي فِي عَظِيمِ بِنَائِهَا ... كُلٌّ يَرَى قَوْلِي عَلَى مِرْآتِهِ
فها هوَ يصوغُ المعنى في المبنى ويُنزِلُ المطلَقَ إلى المقيَّدِ ؛ وذلكَ لأنَّ الأمرَ عندَه - رضي الله عنه - :
عَطِيَّةٌ مِنْ كَرِيمٍ عِنْدَمَا ظَفَرَتْ ... بِهِ السَّمَاءُ بِفَرْدِ الأَرْبَعِ الْحُرُمِ وَمِنَّةٌ مِنْ سَخِيٍّ طَابَ مَانِحُهَا ... تَطِيبُ لِي وَالْمَثَانِي أُشْهِدَتْ نِعَمِي
كُلٌّ يَرَى قَوْلِي عَلَى مِرْآتِهِ