((إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه الله علما بلا واسطة، وأخذ العلوم المكنونة في ألواح المعاني، ففهم رموزها وعرف كنوزها، وفك طلسماتها، وعلم اسمها ورسمها، وأطلعه الله علي العلوم المودعة في النقط، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول، وكذلك لهم من إشارات العبارات: عبارات معجمة وألسن مختلفة، وكذلك لهم في معاني الحروف، والقطع والوصل، والهمز والشكل، والنصب والرفع مالا يحصر ولا يطلع عليه إلا هم، وكذلك لهم الإطلاع علي ما هو مكتوب علي أوراق الشجر والماء والهواء، وما في البر والبحر، وما هو مكتوب علي صفحة قبة السماء، وما في حياة الإنس والجن مما يقع لهم في الدنيا والآخرة، وكذلك لهم الإطلاع علي ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق وما تحت التحت، ولا عجب من حكيم يتلقى علما من حكيم عليم، فإن مواهب السر اللدني قد ظهر بعضها في قصة موسي والخضر عليهما السلام)) [الطبقات الوسطي ص 105، والكواكب الدرية ص 229] (وأشار إلي ذلك أيضا صدق الله العظيمفي قوله: ((قد يقذف الله في قلب وليه ما لا يطلع عليه أحد من العلماء)) و ((من دخل حضرة الله نظر الدنيا والآخرة)) و ((إذا تجلي عروس الكلام في رتبة الإلهام طلعت شموس المعارف وتجلي البدر المنير في الليل البهيم، فهم سكارى الظواهر صحاة البواطن والضمائر)) ويقرر أن العارف لا يسبقه في العلم والاجتهاد أصحاب الكتب والأقلام فيقول: ((فيض الربوبية إذا فاض أغني عن الاجتهاد، وقد يعطي الولي القاصر ما لم يعط لأصحاب المحابر، فإن صاحب الجهد قاصر ما لم يقرأ في لوح المعاني سر عطاء القادر.)) ويبين السبيل لتحصيل العلوم عند العارفين فيقول: ((وليس مطلوب القوم إلا مجالسة الحق في كل أمر سلكوه، فإذا حضروا عنده عرفوا بتعريفه كل شيء بلا تعب)).