ثم يأتي بعد ذلك الغيب الأعلى المعروف بغيب الإرادة وهو الذى يعلمه الملائكة الفلكيون المخلوقون من نور النار، فهم يعلمون ما غاب عن عامة الإنس والجن والمخلوقات المائية والروحانية. فعندما أراد المولى تبارك وتعالى أن يخلق سيدنا آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، قال للملائكة {إنى جاعل فى الأرض خليفة} (1) أى فى المستقبل ثم قال لهم جل وعلا {فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} (2) وبحكم أن الملائكة يعلمون الغيب فى الحد الذى مكنهم الله تعالى منه فهم كانوا يعلمون أن بنى آدم سيفسدون فى الأرض ويسفكون الدماء. فلذلك قالوا للمولى تبارك وتعالى كما حكى عنهم جل شأنه {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال إنى أعلم ما لا تعلمون} (3) أى ما لا تعلمون من قدر هذا الإنسان وعظمته وتأهيله للخلافة الإلهية لجمعه بين الأضداد فى خلقته وهى النار و التراب والماء والهواء شأنه فى ذلك شأن أسماء الله الحسنى فهى جامعة بين الأضداد، فمثلا الباسط عكس القابض والمحيى عكس المميت والمعطى عكس المانع والضار عكس النافع. وهكذا كل أسماء الله الحسنى أضداد بعض تقدست أسماؤه. وكل ملك من الملائكة مختص باسم أو اسمين كما سيأتى بيان ذلك لأن الملك مخلوق من اسم واحد أو اسمين ولا يعرف الملك غير ما هو مختص به من اسم أو اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، فإذا لم يكن الملائكة يعلمون الغيب البعيد المعرف بغيب الإرادة كما سبق، فكيف عرفوا أن أبناء آدم سيحدث منهم ما ذكروا ولم تكن طينة آدم قد جيء بها آنذاك؟ لعمرى أن هذا لدليل قاطع وواضح على أن الملائكة يعلمون الغيب البعيد. __________ (1) البقرة / 30 (2) الحجر / 29 (3) البقرة / 30