وعاد الذين كانوا فى ناحية الحجاز فقالوا لرئيسهم إبليس اللعين: إنا قد وجدنا فى تهامة بالحجاز بيتا يشرق منه نور ساطع أضاءت له قصور الشام ويحفه الكثير من الملائكة . فقال لهم فى خيبة أمل شديدة " هذا أوان مبعث النبى الأمى، وقد ولد فى ذلك البيت، فلذلك منعتم من استراق السمع لبطلان الكهانة بمولده وكان هؤلاء الجن عندما يسمعون كلام الملائكة يزيدون عليه ويلقنونه للكهنة. وبعد مولد النبى صلى الله عليه وسلم صاروا لا يقدرون على استراق السمع كما قال تعالى {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} (1) وقال جل وعلا: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} (2). وأعلى من ذلك الغيب الذى لا يعلمه الصنف العادى من البشر ولا الجن ويعلمه خلق آخر، فالسمك والحيوانات المائية تعلم غيب الأنهار والبحار والمحيطات مما لا يعلمه الإنس والجن. وأرفع من ذلك الغيب الذى يعلمه الروحانية وهم خلق مخلوقون من الريح فى صورة الإنسان وهم الذين يلهمون الشعراء المعانى الشيقة فى وأدى الخيال كما قال تعالى {ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون} (3) ويعلم الروحانية الغيب الذى لا يعلمه الجن ولا الإنس ولا المخلوقات المائية. وجميع ما تقدم يسمى بغيب الشهادة وهو الذى نفذت به المشيئة وخصصته القدرة قبل أن يقع على الأرض. __________ (1) الجن / 9 (2) الملك / 5 (3) الشعراء /225