وقصة الشيخ أبى منصور الحلاج رضوان الله تعالى عليه توضح موضع الحيرة فى أظهر معانيها، فلقد روى عنه أنه كان يقول دائما: يا أيها المسلمون، اقتلونى تؤجروا وَأسْتَرِحْ. ويلومه الناس ويعنفونه ويقولون له أنت إمام جليل تحفظ الكتاب والحديث وتعرف التفسير والنفيس من العلوم وعلوم الشريعة واللغة وغيرها من العلوم الجمة فكيف يصح قتلك ولكنه كان يردد قوله هذا، ويشاء الله أن يستجيب له فيؤمر به إلى السجن فى قصته المشهورة وقولته المعروفة ما فى الجبة إلا الله (1) وقد حكم عليه بالشنق لاتهامه زورا وبهتانا بالكفر - وسنورد فى نهاية هذا المقال تبرئته من ذلك - وقد ارتاح هو لذلك الحكم إذ كان ذلك مقصده ومناه. وكان قد سأله أحد الناس عن التصوف فطلب منه معاودته فى اليوم التالى الذى صادف اليوم الذى اقتيد فيه إلى المشنقة. فعاد إليه السائل فى موعده فوجد أن السجان قد اقتاده إلى المشنقة. فقال له وهو فى طريقه: يا مولاى لقد وعدتنى بشرح معنى التصوف فأجبنى لطلبى فأنشده قائلاً: - كَفَرْتُ بِدِينِ اللهِ وَالكُفْرُ وَاجِبْ ... لَدَىَّ وَعِنْدَ المُسِلِمِينَ قَبِيحٌ __________ (1) قلت: ولوفهم الناس هذه العبارة كما فهمها أهل الحق ما قتلوه وما صلبوه، فقول الحلاج ما فى الجبة غير الله " يريد أنه ما فى الوجود إلا الله كما لوقلت ما فى المرآة إلا من تجلى لها لصدقت مع علمك أنه ما فى المرآة شئ أصلاً ولا فى الناظر من المرآة شئ مع إدراك التنوع والتأثر فى عين الصورة من المرآة وكون الناظر على ما هو عليه لم يتأثر. - انظر: توضيح المصنف لهذه العبارة فى آخر هذا الباب. - انظر: (شرح كلمات الصوفية) فى الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر ابن عربى لمحمود غراب / 224