وهؤلاء قلة من قلة فهم الصفوة المختارة الذين يترحلون فى مراحل السير فى الله أى فى باطن الاسم الله بأن يحصوا أسماءه كلها جل وعلا. كما قال تعالى فى الحديث القدسى إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة وفى حديث قدسى آخر مائة إلا واحدة (1) والإحصاء إنما هو ورود بحر كل اسم من الأسماء الإلهية واحدا بعد الآخر فيسير هؤلاء المصطفون الأخيار ليدخلوا بحر الاسم الرحمن إذ أن سعة الرحمانية تلى هيمنة الألوهية - كما سنفصل ذلك إن شاء الله تعالى - فى موضعه. وبعد أن يأخذ كل منهم حظه من حضرة الاسم الرحمن وما شاء الله له من المعرفة ينتقل إلى الاسم الآخر وهم الرحيم وذلك بعد قطع الموطن أو المساحة التى بينهما إذ أن بين كل اسم وآخر مساحة، فمثلا لابد أن تكون هناك مساحة أو مرحلة بين الاسم القابض والاسم الباسط وكذلك بين الاسم المحيى والاسم المميت . وهذه المساحة هى موطن التدريس من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يدرس السائر حقائق توحيد الفطرة وهى المراحل المقصودة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: نضر الله وجه الراحل المترحل . كما قالوا: - إِلى الذَّاتِ سِيرِى فى مراتِب أَسْمَاءِ بصورةِ مزْجِ النَّارِ فىَّ مَعَ المَْاءِ وذلك لجمع أضدادَات الأسماء الإلهية، لأن المولى تبارك وتعالى يوضح أن الأسماء الإلهية بعضها أضداد بعض بقوله تعالى {ولله جنود السموات والأرض} (2)، فالجنود هنا هى الأسماء الإلهية وقد قالوا: - أَنَا الهيكلُ المجموعُ فى كلِّ حضرةٍ ... مُقَدَّسةِ كالبدرِ فى جُنَحِ ظَلْمَاءِ __________ (1) البخارى 3/ 259، 9/ 145، مسلم الذكر والدعاء / 6، الترمذى / 3506، 3507، 3508، البيهقى 3860، 3861، الإمام أحمد 2/ 258، 499 (2) الفتح / 4،7، وفى معنى الآية الذى ذكره الشيخ أنظر: (تفسير روح البيان) لإسماعيل حقى.