فإذا لم يوافق عمل أى عامل فى أية مرتبة من المراتب، الكتاب والسنة، لم تكن عبادة سواء كان العامل رسولا أو نبيا أو وليا فمثلا عامة الناس مخاطبون بتنفيذ الأوامر الشرعية، فإذا أتقنوها ارتقوا لمراتب الإيمان فإذا أتقنوه ارتقوا لمراتب الإحسان وباب كل ذلك الذكر الذى اختاره السادة الصوفية ويكون أولا باللسان كما قدمنا، ثم بالقلب، ثم بالروح، ثم بجميع الجسد، فإذا وصل الذاكر إلى هذه المرتبة صار من أهل المشاهدة، فيسقط عنه الذكر لأنه يصير من أهل المشاهدة أى أنه فى حضرة الله دائماً لأن الذكر ثناء على المعبود ولا يجوز الذكر فى حالة المشاهدة كما قال تعالى {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} (1) وهذه المرتبة هى التى يفتح عندها باب الحمد فى موطن الحمد على موجب الحمد بمستلزمات الحمد لأن الواصل إليها يجد مطلوبه إذ أن الإنسان مفتقر إلى الله إلى أن يصل إلى هذه المرتبه كما قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} (2) ولم يقل لله، وبعدئذ يستمر فى الحمد إلى أن يفتح له باب الشكر المعرف بشكر المزيد الظاهر فى قوله تعالى - كما سلف - {لئن شكرتم لأزيدنكم} (3) ويعطى ميزان الحقائق متصرفاً فيه بإذن خالقه باعتبار قوله تعالى {قل اللهم ما لك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء و تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير} (4) والعزة فى إيتاء الملك، والذلة فى نزعه. وبعدئذ يفتح له شكر الشكر كما فى قوله تعالى ... {اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادى الشكور} (5) ولقد قال قائلهم فى هذا الموطن:- وَشَاكِرُها يحتاجُ شكراً لشكرِهَا ... كَذلِكَ شكرُ الشُكْر يَحْتَاجُ لِلشُّكْرِ __________ (1) الأعراف / 206 (2) فاطر / 15 (3) إبراهيم / 7 (4) آل عمران / 26 (5) سبا / 13